رُواة العلا يقدّمون نموذجاً جديداً للتبادل الثقافي في واشنطن

المنارة: متابعات

اختتم رُواة العلا، السفراء الثقافيون للوجهة، إقامة نوعية في المتحف الوطني للفنون الآسيوية التابع لمؤسسة سميثسونيان في واشنطن العاصمة، نقلوا خلالها إلى الجمهور تقاليد الحوار بين الثقافات وفنون السرد القصصي المتجذّرة في المملكة العربية السعودية منذ القدم.

وفي نموذج جديد لكيفية مشاركة الوجهات العالمية لإرثها الحي مع الجمهور، قدّم الراويان عاطف البلوي ووداد ياسين، على مدار الأسبوع الماضي، سلسلة من جلسات السرد القصصي المفتوحة للجمهور، وورش العمل التفاعلية، وجلسات التبادل المهني في المتحف الواقع في العاصمة الأمريكية. واستقطب برنامج “راوي مقيم”، الذي امتد لأسبوع كامل، 159 مشاركاً من زوّار المتحف والأكاديميين والمرشدين الثقافيين والمتخصصين في المجال الثقافي، ليخوضوا تجربة مباشرة مع حكايات العلا، مدينة الواحة العريقة في شمال غرب المملكة العربية السعودية، التي يمتد تاريخ الوجود البشري فيها لأكثر من 200 ألف عام، وتحتضن إرثاً حضارياً متواصلاً على مدى 7 آلاف عام.

تشكّل الإقامة في واشنطن أحدث محطة ضمن الجولة الدولية لسفراء العلا الثقافيين، بعد مشاركات ناجحة في جناح اليونسكو ضمن بينالي البندقية، ومقر منظمة اليونسكو في باريس، والمدينة المحرّمة في بكين. وتؤكد هذه المشاركة الحضور الدولي للعلا ومكانتها الرائدة في تقديم التراث بأسلوب إنساني يضع الحوار والتفاعل في جوهر التجربة الثقافية.

وقدّم البرنامج للحضور نهجاً فريداً يتمحور حول الإنسان لاستكشاف إرث العلا بوصفها محطة محورية على طريق البخور، شبكة التجارة القديمة والواسعة التي عبرت خلالها السلع والأفكار والثقافات من جنوب الجزيرة العربية إلى البحر المتوسط وشمال أفريقيا وبلاد الرافدين والمحيط الهندي وما وراءها. وشكّلت تجربة “قصة بقصة” محوراً أساسياً في البرنامج، وهي صيغة مبتكرة للتبادل الثقافي تم تطويرها بالتعاون مع منظمة اليونسكو، وتقوم على تبادل الحكايات والتجارب الشخصية بين المشاركين.

واستناداً إلى نموذج “المتحف الحي”، توظّف التجربة قطعاً مثل مجامر البخور التقليدية ودلال القهوة لتحفيز الحوار حول موضوعات إنسانية مشتركة، تشمل التجارة والعائلة والهجرة والذاكرة. وخلال ثلاث جلسات مصغّرة من “قصة بقصة”، تبادل 38 مشاركاً قصصاً من تجاربهم وذكرياتهم الشخصية، في تجربة أعادت إحياء روح طريق البخور ضمن سياق معاصر.

كما تضمنت الإقامة محاضرة عامة بعنوان “العلا وطريق البخور: عالم قديم في حوار”، شارك فيها 97 شخصاً لاستكشاف إرث العلا بوصفها ملتقى نابضاً للحضارات القديمة. وقدّمت فعالية “كان يا ما كان على طريق البخور” للعائلات والأجيال الأصغر سناً مدخلاً تفاعلياً للتعرّف على حكايات العلا ودورها على امتداد هذا الطريق التجاري التاريخي.

وإلى جانب الأنشطة الموجهة للجمهور، قدّم عاطف ووداد ورش عمل متخصصة بمشاركة 24 من كوادر المتحف الوطني للفنون الآسيوية، من بينهم متدربون ومرشدون ثقافيون. وتناولت هذه الجلسات أساليب حديثة في تفسير التراث وتقديمه للزوار، مسلّطة الضوء على كيفية تمكين الرواة الذين يتعاملون مباشرة مع الجمهور من تحويل السرد أحادي الاتجاه إلى حوار هادف يلامس الزوار ويعزز تفاعلهم مع التجربة.

قال فيليب جونز، الرئيس التنفيذي لقطاع السياحة في الهيئة الملكية لمحافظة العلا: “تعمل العلا على تطوير نهجها الخاص والمتفرد في تقديم التراث الثقافي، وهو نهج إنساني في جوهره، يقوم على الاكتشاف المشترك ويستمد جذوره من تقاليد السرد الشفهي العريقة. ويعكس التفاعل المميز مع برنامج ’راوي مقيم‘ مدى قدرة مثل هذه المبادرات، التي انطلقت من المملكة، على التواصل بعمق مع الجمهور العالمي. وفي ظل التسارع المتواصل للتحول الرقمي، يزداد بحث الناس عن التفاعل الإنساني الأصيل والروابط ذات المعنى. وأشعر بفخر كبير وأنا أرى رُواة العلا يبنون هذه الجسور على منصات عالمية مرموقة، ويسهمون في التعريف بإرث العلا الحي في مختلف أنحاء العالم.”

يعكس نجاح هذه الإقامة التحوّل في أولويات المسافرين على مستوى العالم، لا سيما في ما يتعلق بالسفر والتجارب الثقافية. فقد أظهر استطلاع أجرته الهيئة الملكية لمحافظة العلا أن 71% من المسافرين يبحثون عن تجارب ثقافية أصيلة وغامرة. ومن خلال وضع الرواة في صميم تجربة الزائر، تستجيب العلا لهذا التوجه المتنامي نحو تجارب تقوم على التواصل الإنساني الحقيقي والهادف.

ويجمع رُواة العلا بين المعرفة المحلية، والإرث الشفهي، والأبحاث الأثرية، ونهجٍ إنساني في تقديم التراث، ليقرّبوا الجمهور من حكايات طبيعة العلا ومواقعها ومجتمعاتها. ومن خلال دورهم، يسهم الرواة في ترسيخ نموذج للتفاعل يتجاوز السرد أحادي الاتجاه، ويفتح المجال أمام الحوار والاكتشاف المشترك وبناء صلة أعمق بالتراث الثقافي.

ويأتي برنامج “راوي مقيم” ضمن التعاون المستمر بين الهيئة الملكية لمحافظة العلا والمتحف الوطني للفنون الآسيوية. وقد أسهمت الزيارات التي أجرتها قيادات المتحف إلى العلا في بناء فهم مشترك لأساليب تقديم التراث والتعلّم والتفاعل مع الزوار، إلى جانب تعزيز العلاقات المؤسسية من خلال تجارب تبادل غامرة تقوم على التفاعل المباشر مع المكان. كما شكّلت هذه الزيارات أساساً للتطوير المشترك لمفهوم “راوي مقيم”، ومهّدت لمواصلة التعاون في مجالات البرامج العامة، والحوار بين الثقافات، والممارسات المتحفية.

وعقب جولتها العالمية، تعود تجربة “قصة بقصة” إلى موطنها في العلا، حيث سيتم إطلاقها في وقت لاحق من هذا العام كتجربة عامة متاحة للحجز أمام الزوار الذين يستكشفون أبرز المواقع التراثية في الوجهة، بما في ذلك الحجر ودادان وجبل عكمة وبلدة العلا القديمة.

 

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://almanara.media/?p=71108
شارك هذه المقالة