الثمن المجتمعي لغياب التأهيل المهني.. بقلم/طلال أبوغزاله

تعكس الفجوة الآخذة في الاتساع بين التجربة الدولية والتجربة العربية في قطاع العمل المهني واليدوي أزمة أكبر من مجرد نقص المهارات أو تفاوت مستوى الخدمات.

المسألة ترتبط بنظرتنا إلى هذا النوع من العمل. كما ترتبط بالطريقة التي تعاملنا بها معه طوال عقود. وشتان بين مفهوم الحرفة في العالم المتقدم وصورتها في مجتمعاتنا.

- Advertisement -

نشأت المهن اليدوية في معظم دولنا بطريقة عشوائية. واعتمدت على نقل الخبرات من شخص إلى آخر. كما غابت عنها لفترات طويلة معايير التأهيل والتقييم المؤسسي.

العمل المهني بين التدريب والخبرة

تختلف صورة المهني في العالم المتقدم جذريًا عن صورته في مجتمعاتنا. هناك يبدأ المسار المهني من التعليم والتدريب. ثم يحصل العامل على الشهادات والرخص اللازمة.

كذلك تضع المؤسسات معايير واضحة لكل مهنة. وتحدد المسؤوليات القانونية والتخصصات بدقة. لذلك يعرف صاحب العمل مستوى المهني قبل الاستعانة به.

- Advertisement -

أما عندنا، فما زال جزء كبير من هذا القطاع يعمل بمنطق مختلف. يتعلم الشاب، وأحيانًا الطفل الذي دخل سوق العمل مبكرًا بسبب الفقر، المهنة بطريقة بدائية.

غالبًا ما يتعلم على يد «معلم» يفتقر هو نفسه إلى التدريب الكافي. ويعرف هذا الأسلوب في سوق العمل باسم «نظام المعلم والصبي».

وللإنصاف، قد يكون بعض هؤلاء العمال ماهرًا بالفعل. لكن مهارته تظل مرتبطة بخبرته الشخصية. ولا تستند بالضرورة إلى منظومة مهنية يمكن قياسها أو التحقق من مستواها.

قد نجد شخصًا يمارس مهنة معينة منذ عشرين عامًا. ومع ذلك، لم يحصل طوال هذه السنوات على تدريب مهني منظم. كما قد لا يمتلك شهادة معترفًا بها تثبت قدراته.

المستهلك يدفع ثمن غياب المعايير

تظهر المشكلة بوضوح عندما يحتاج المواطن إلى خدمة مهنية. ففي كثير من الأحيان، لا يعرف كيف يميز بين صاحب المهنة المحترف ومن تعلم بعض أسرارها بالممارسة والتجربة.

وقد يدفع المواطن ثمن هذه التجربة من جيبه. وفي بعض الحالات، قد يدفع الثمن من سلامة منزله أو سيارته أو منشأته.

لذلك لا يكفي أن يمتلك الشخص سنوات طويلة من الخبرة. فالمطلوب أيضًا وجود تدريب واضح ومعايير محددة. وهذا الأمر يحمي العامل والمستهلك في الوقت نفسه.

نظرة المجتمع إلى المهن اليدوية

حتى نكون أكثر إنصافًا، ساهم المجتمع نفسه في تكريس هذه الحالة. فقد اعتدنا النظر إلى الشهادة الجامعية باعتبارها طريقًا للوجاهة والمكانة الاجتماعية.

في المقابل، ينظر البعض إلى المهنة اليدوية باعتبارها خيارًا لمن لم يستطع إكمال تعليمه. أو لمن أجبرته الظروف الاقتصادية على دخول سوق العمل مبكرًا.

أضرت هذه النظرة بالمجتمع والاقتصاد معًا. فالاقتصاد لا يحتاج إلى حملة الشهادات الجامعية فقط. بل يحتاج أيضًا إلى أصحاب المهارات العملية.

نحتاج إلى من يتعامل باحترافية مع التمديدات الصحية والكهربائية. ونحتاج إلى السباك وفني البلاط والقصارة والميكانيكي. كما نحتاج إلى المتخصص في التبريد والتكييف.

كذلك يحتاج الاقتصاد إلى من يستطيع إصلاح الآلات. ويحتاج إلى من يتعامل مع الأنظمة الصناعية. كما يحتاج إلى من يقرأ المخططات وينفذها بدقة.

وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا نجعل الطالب الذي يختار مهنة تقنية أقل شأنًا من زميله الذي يختار تخصصًا جامعيًا؟

قد يكون صاحب المهنة التقنية أكثر طلبًا في سوق العمل. وقد يمتلك أيضًا قدرة أكبر على تحقيق دخل جيد. لذلك تحتاج المجتمعات العربية إلى تغيير هذه النظرة.

العامل الماهر جزء من قوة الاقتصاد

نحن أمام ذهنية اجتماعية أعطت المظاهر قيمة أكبر من القيمة الاقتصادية الحقيقية. وفي المقابل، يتغير العالم من حولنا بسرعة.

هناك دول بنت جزءًا كبيرًا من قوتها الصناعية على أساس العامل الماهر. وقدمت له التدريب والرخص والحقوق. كما وفرت له مسارًا واضحًا للتطور المهني.

لم تطلب هذه الدول من العامل أن يكون مجرد عامل ضرورة. بل أرادته محترفًا يعرف مسؤوليته. وفي الوقت نفسه، يعرف السوق قيمة مهارته.

أما عندنا، فما زال الطريق إلى الاحتراف غير واضح في كثير من المهن. وهذا الوضع لا يمكن أن يستمر طويلًا.

الذكاء الاصطناعي يغير سوق العمل المهني

بدأ الذكاء الاصطناعي والهواتف الذكية والتطبيقات التعليمية والمحتوى التقني المفتوح في تغيير العلاقة بين صاحب المهنة والمستهلك.

لم تعد المعرفة حكرًا على شخص واحد. كما لم يعد من السهل الاعتماد على جهل الزبون بالتفاصيل الفنية.

اليوم يستطيع أي شخص تصوير العطل والبحث عن أسبابه. ويمكنه أيضًا قراءة الشروحات ومشاهدة طرق الإصلاح. بل يستطيع الاستعانة بأدوات الذكاء الاصطناعي لفهم المشكلة قبل استدعاء الفني.

هذا لا يعني أن الناس أصبحوا فنيين. لكنه يعني أن احتكار المعرفة المهنية بدأ يتراجع.

وهنا تحديدًا تصبح الحاجة أكبر إلى العامل المحترف، لا أقل. فالفني الذي يعرف عمله جيدًا لن يخشى من فهم الزبون لما يقوم به.

على العكس، تصبح معرفته وخبرته وقدرته على التشخيص مصدر قيمته الحقيقية. أما من بنى مهنته على التخمين أو استغلال جهل الناس، فلن يجد مستقبلًا طويلًا في سوق يتغير باستمرار.

إعادة النظر في التعليم المهني

تحتاج هذه المتغيرات إلى إعادة النظر في التعليم المهني في العالم العربي. لقد تغير العالم كثيرًا، ولم يعد مقبولًا أن تبقى مهن أساسية خارج منظومة التعليم والتأهيل والتنظيم.

المشكلة ليست في نقص الأيدي العاملة فقط. المشكلة الأكبر أننا لم نعطِ المهارة اليدوية المكانة التي تستحقها.

إذا لم نغير هذا الواقع، ستبقى الفجوة قائمة بين اقتصاد يريد التطور ومهن ما زالت تدار في كثير من الأحيان بالأساليب نفسها التي عرفناها قبل عقود.

أما التجارب الدولية، فقد فهمت مبكرًا أن اليد الماهرة ليست يدًا عاملة فحسب. إنها جزء من رأس المال الذي يبني الاقتصاد.

ولنا في اليابان والصين وألمانيا أمثلة واضحة على أهمية العامل الماهر. فقد ربطت هذه التجارب بين التعليم المهني والإنتاج والجودة والتطور الصناعي.

لذلك، فإن تطوير المهن اليدوية في العالم العربي لا يحتاج إلى تغيير صورة العامل فقط. بل يحتاج إلى بناء منظومة متكاملة للتعليم والتدريب والترخيص والتقييم.

عندها يمكن أن تتحول الحرفة من مهنة اضطرارية إلى مسار مهني واضح. ويمكن للعامل الماهر أن يحصل على المكانة التي يستحقها، بينما يحصل المستهلك على خدمة أكثر جودة وأمانًا.

📎 رابط مختصر للمقال: https://almanara.media/?p=73578
- Advertisement -
شارك هذه المقالة