معرض دمشق الدولي 2026… ‏ ‏«سوريا تشرق من جديد».. حين تتحول دمشق إلى منصة للأسواق والاستثمار

‏دمشق – فادي المطلق
‏تصوير – وائل تحسين بيك

‏ليس معرض دمشق الدولي في دورته الثالثة والستين مجرد حدث اقتصادي عابر، ولا مناسبة تفتح أبوابها أمام الشركات والزوار ثم تغلقها بعد أيام؛ فالمشهد في دمشق هذا العام يبدو أكبر من معرض، وأقرب إلى محاولة لإعادة تعريف موقع سوريا على خارطة الاقتصاد الإقليمي والدولي.
‏تحت شعار «سوريا تشرق من جديد»، عادت مدينة المعارض بدمشق لاستقبال العالم، بمشاركة نحو 1000 جهة من قرابة 60 دولة، في دورة تحمل دلالات اقتصادية وتجارية واستثمارية تتجاوز الأجنحة والمنصات.
‏ومنذ انطلاقه عام 1954، ارتبط معرض دمشق الدولي بصورة سوريا الاقتصادية والتجارية والثقافية، وتحول إلى مساحة تجمع المنتجين والمستثمرين وصناع القرار والجمهور. أما اليوم، فيعود ليؤدي وظيفة جديدة: أن يكون بوابة لسوريا نحو مرحلة البناء والإنتاج والانفتاح وإعادة الإعمار.
‏دمشق تستعيد موعدها مع العالم
‏انطلقت فعاليات الدورة الثالثة والستين في 26 آب على أرض مدينة المعارض بدمشق، وتستمر حتى 4 أيلول، بمشاركة واسعة لشركات سورية وعربية ودولية، إلى جانب الوزارات والهيئات والمؤسسات العامة وغرف التجارة ومجالس الأعمال والجهات الاستثمارية والخدمية والحرفية.
‏وجاء افتتاح المعرض بحضور الرئيس السوري أحمد الشرع، في مشهد حمل رسالة واضحة بأن دمشق تريد للمعرض أن يكون منصة اقتصادية لسوريا الجديدة، ومساحة للحوار والعمل والاستثمار.

‏وزارة الاقتصاد والصناعة.. ركيزة تنظيمية وحضور فاعل

‏وفي قلب هذا الحراك، تبرز وزارة الاقتصاد والصناعة بوصفها الجهة الحكومية المعنية بتنظيم المعرض عبر المؤسسة السورية للمعارض والأسواق الدولية، إلى جانب حضور مؤسساتها وهيئاتها ضمن فعاليات الدورة.

‏ولا يقتصر هذا الحضور على الجانب التنظيمي، إذ تشارك الوزارة ومؤسساتها في تقديم صورة متكاملة عن الاقتصاد والصناعة السورية، ودعم المنتج الوطني، وتعزيز فرص التجارة والاستثمار، بما ينسجم مع التوجه نحو إعادة تنشيط الاقتصاد وفتح قنوات جديدة أمام الشركات السورية.

‏كما يحضر ملف الصناعة الوطنية بقوة من خلال المبادرات والفعاليات المرتبطة بالمنتج السوري والمواصفات والجودة والمنشأ، في محاولة للانتقال بالمنتج المحلي من مساحة العرض إلى الأسواق الخارجية.

‏وبذلك تشكل الوزارة جزءًا أساسيًا من المنظومة التي تسعى إلى إعادة تعريف وظيفة معرض دمشق الدولي، ليكون منصة تلتقي فيها الدولة والقطاع الخاص والمستثمرون والأسواق الخارجية.

‏نحو ألف جهة.. ونحو 60 دولة

‏تكشف أرقام المشاركة حجم الرهان على هذه الدورة، مع حضور دول عربية وآسيوية وأوروبية وإفريقية، بينها الصين وتركيا والسعودية والإمارات ومصر والعراق والأردن والجزائر وإيطاليا ولبنان والهند وإندونيسيا وباكستان وغيرها.

‏وتبرز ألمانيا ضيف شرف الدورة بمشاركة 13 شركة ألمانية تعمل في مجالات متعددة، في حضور يحمل رسالة اقتصادية تتجاوز عدد الشركات، ويؤشر إلى اهتمام متزايد بفرص السوق السورية وإمكانات التعاون وإعادة الإعمار.

‏كما يسجل الحضور السعودي حضورًا اقتصاديًا لافتًا، إلى جانب مشاركة عربية واسعة، بما يعزز فرص بناء علاقات تجارية واستثمارية جديدة.

‏من «المعرض» إلى «منصة الأعمال»

‏أحد أبرز التحولات في دورة 2026 يتمثل في محاولة إعادة صياغة وظيفة المعرض.

‏فالأيام الأولى خصصت لرجال الأعمال والمستثمرين والوفود الرسمية، مع تنظيم لقاءات B2B وB2G بين الشركات والجهات الحكومية والمستثمرين، بهدف الانتقال من مجرد عرض المنتجات إلى بناء شراكات واتفاقيات قابلة للتحول إلى مشاريع فعلية.

‏وهنا يكمن الاختبار الحقيقي لأي معرض دولي؛ فالنجاح لا يقاس فقط بعدد الزوار أو حجم الأجنحة، وإنما بما ينتج عنه من عقود واستثمارات وشراكات ونقل للتكنولوجيا وفتح للأسواق.

‏تواجد مجلة المنارة الإماراتية.. جسور إعلامية واقتصادية

‏وفي هذا المشهد المتحرك، يحضر دور التغطية الاعلامية لمجلة المنارة الإماراتية كمساحة تجمع بين الإعلام والعلاقات الاقتصادية، وتواكب التحولات التي يشهدها الاقتصاد السوري والفرص التي تفتحها مرحلة الانفتاح وإعادة الإعمار.

‏ومن دمشق، تأتي هذه المشاركة ضمن رؤية تقوم على تعزيز التواصل بين رجال الأعمال والمستثمرين والمؤسسات الاقتصادية، ونقل صورة مهنية عن الفرص المتاحة في السوق السورية إلى المحيط العربي، وفي مقدمته دولة الإمارات العربية المتحدة.

‏ففي المرحلة المقبلة، لن يكون رأس المال وحده كافيًا؛ إذ تحتاج الأسواق إلى جسور ثقة، وإعلام مهني، وتواصل مباشر، وشبكات أعمال قادرة على تحويل التعارف إلى علاقات، والعلاقات إلى شراكات.

‏ومن هنا تكتسب التغطية الإعلامية المتخصصة أهميتها، لأنها لا تكتفي برصد الحدث، بل تفتح نافذة أمام المستثمر العربي للتعرف إلى السوق السورية وإمكاناتها وتحدياتها.

‏ستة قطاعات ترسم ملامح الاقتصاد الجديد

‏توزعت فعاليات المعرض على قطاعات رئيسية تشمل البناء، والأغذية، والتكنولوجيا، والتجارة والخدمات، والطاقة والاستدامة، والصناعة والإنتاج.

‏وهي قطاعات تختصر إلى حد كبير احتياجات المرحلة السورية المقبلة.

‏فالبناء يرتبط مباشرة بإعادة الإعمار، والطاقة والاستدامة تمثلان تحديًا وفرصة في آن واحد، بينما تشكل الصناعة والأغذية والتكنولوجيا أدوات أساسية لإعادة تنشيط الإنتاج المحلي وخلق فرص العمل.

‏إعادة الإعمار.. العنوان الأبرز

‏لا يحتاج زائر المعرض إلى وقت طويل لاكتشاف أن إعادة الإعمار حاضرة بقوة في أروقته.

‏شركات مواد البناء والإسمنت والتطوير العقاري والطاقة والتجهيزات الصناعية والخدمات اللوجستية تجد في السوق السورية مساحة واسعة للبحث عن شراكات ومشاريع.

‏لكن إعادة الإعمار لا تعني البناء فقط؛ فسوريا تحتاج إلى بنية تحتية حديثة، وطاقة، وصناعة، ونقل، واتصالات، وخدمات مالية ورقمية، وهو ما يفتح المجال أمام استثمارات متعددة القطاعات.

‏وهنا تظهر أهمية المعرض كحلقة وصل بين الحاجة السورية والخبرة والتمويل والتكنولوجيا القادمة من الخارج.

‏الصناعة السورية أمام اختبار المنافسة

‏أما الشركات السورية، فتقف أمام فرصة مختلفة.

‏بعد سنوات طويلة من العمل في سوق مضطربة، أصبح التحدي اليوم هو إعادة تقديم المنتج السوري للمستهلك والشريك الخارجي، وفتح أسواق جديدة أمامه.

‏المعرض يمنح المنتج المحلي واجهة مباشرة أمام شركات ومستثمرين من عشرات الدول، لكنه في الوقت نفسه يضع الصناعة السورية أمام اختبار حقيقي يتعلق بالجودة والسعر والمواصفات والتغليف والقدرة الإنتاجية والتصدير.

‏فالانتقال من جناح العرض إلى عقد التصدير هو أحد أهم المؤشرات على نجاح المشاركة السورية.

‏التكنولوجيا تدخل قلب المشهد

‏الحضور المتزايد للتكنولوجيا يعكس أيضًا طبيعة الاقتصاد الذي تحتاجه سوريا في المرحلة المقبلة.

‏فإعادة البناء لا تحتاج إلى الإسمنت والحديد فقط، وإنما إلى الاتصالات، والحلول الرقمية، والطاقة الحديثة، والخدمات اللوجستية الذكية، وأنظمة الدفع والإدارة، والتكنولوجيا الصناعية.

‏ومن هنا يمكن للمعرض أن يؤدي دورًا إضافيًا في ربط الشركات السورية والمشروعات الناشئة بالخبرات والأسواق العالمية.

‏معرض يتجاوز الاقتصاد

‏ورغم طغيان المشهد الاقتصادي، لا يخلو المعرض من أبعاد ثقافية وإنسانية.

‏فجناح وزارة الداخلية «حين تتكلم الجدران» قدم توثيقًا لجانب من الذاكرة السورية، فيما قدمت وزارة الدفاع فعاليات تفاعلية للزوار.

‏وهكذا تحولت مدينة المعارض خلال أيام الدورة إلى مساحة تتقاطع فيها الاقتصاد والثقافة والذاكرة والمجتمع.

‏الجمهور يعود إلى المشهد

‏ومع فتح أبواب المعرض أمام الجمهور اعتبارًا من 29 آب، عادت العائلات والشباب والزوار إلى واحدة من أكثر المناسبات رسوخًا في الذاكرة السورية.

‏فالزائر لا يأتي دائمًا بحثًا عن صفقة؛ قد يبحث عن منتج أو صورة أو تجربة أو مجرد استعادة ذاكرة ارتبطت تاريخيًا بمعرض دمشق الدولي.

‏وهنا تستعيد دمشق جانبًا من صورتها كمدينة تستقبل الناس والأسواق والثقافات في مكان واحد.

‏والسؤال الأهم.. ماذا بعد؟

‏ربما لا يتعلق السؤال الحقيقي بما يحدث داخل مدينة المعارض، بل بما سيحدث بعد إغلاق أبوابها.

‏هل تتحول اللقاءات إلى استثمارات؟
‏هل تتحول الاتفاقيات إلى مشاريع ومصانع؟
‏هل تجد المنتجات السورية أسواقًا جديدة؟
‏وهل تتحول المشاركة الدولية إلى علاقات تجارية مستدامة؟

‏هذه الأسئلة ستحدد القيمة الحقيقية للدورة الثالثة والستين.

‏فالمعرض نجح في إعادة جذب الانتباه الدولي، وتوسيع قاعدة المشاركة، وتحويل أيامه الأولى إلى مساحة للقاءات الاقتصادية، وتقديم صورة مختلفة عن سوريا.

‏لكن التحدي الحقيقي يبدأ بعد المعرض؛ عندما تتحول الوعود إلى مشاريع، واللقاءات إلى عقود، والاستثمارات إلى إنتاج، والإنتاج إلى فرص عمل وأسواق جديدة.

‏دمشق تفتح أبوابها

‏منذ عام 1954، كان معرض دمشق الدولي نافذة سوريا على العالم. واليوم، وبعد سنوات طويلة من الأزمات، تعود دمشق لتقول إن المعرض ليس مجرد ذاكرة من الماضي، بل يمكن أن يكون منصة للمستقبل.
‏«سوريا تشرق من جديد» ليس مجرد شعار لدورة جديدة، بل اختبار لمرحلة كاملة.
‏فالإشراق الحقيقي لن تقيسه الأضواء التي تزين الأجنحة، ولا عدد الوفود والصور، وإنما ما سيبقى بعد الرابع من أيلول:

‏مصنع جديد، مشروع جديد، استثمار جديد، فرصة عمل جديدة، منتج سوري يصل إلى سوق جديدة، وشراكة دولية تبدأ من دمشق.

‏وهنا تحديدًا تكمن قصة معرض دمشق الدولي الثالث والستين.

‏فالمعرض الذي بدأ قبل أكثر من سبعة عقود ليكون نافذة سوريا على العالم، يحاول اليوم أن يصبح نافذة العالم إلى سوريا التي تستعد لمرحلة جديدة من البناء والإنتاج والانفتاح.
‏دمشق لا تستضيف معرضًا فقط… دمشق تحاول أن تستعيد دورها كملتقى للأسواق، ومكانًا تبدأ منه حكايات اقتصادية جديدة.

📎 رابط مختصر للمقال: https://almanara.media/?p=72737
شارك هذه المقالة