المنارة / بغداد
برحيل المخرج والأكاديمي العراقي صلاح القصب عن عمر ناهز 81 عامًا، يفقد المسرح العراقي أحد أبرز رموزه التجريبية، وتنتهي مسيرة فنية وأكاديمية امتدت لعقود، لم يكن خلالها القصب مجرد مخرج مسرحي، وإنما صاحب مشروع فكري وجمالي ترك بصمته الخاصة على المسرح العربي.
وعلى مدار سنوات طويلة، ارتبط اسم القصب بلقب «راهب المسرح»، في إشارة إلى علاقته الاستثنائية بخشبة المسرح، التي تعامل معها باعتبارها مساحة للبحث والتجريب وإعادة اكتشاف علاقة الصورة بالنص والجسد والفضاء.
من ذاكرة العراق إلى خشبة المسرح
استمد صلاح القصب جانبًا أساسيًا من مشروعه من البيئة العراقية بما تحمله من ذاكرة وأساطير وموروث حضاري، لكنه في الوقت نفسه لم يغلق تجربته داخل حدود البيئة المحلية.
بل انفتح على المسرح العالمي وتقنياته واتجاهاته الفكرية، ليصنع مع الوقت أسلوبًا خاصًا به.
فيما أصبحت فيه الهوية العراقية حاضرة ليس فقط في الموضوعات، وإنما في طريقة التفكير البصري والجمالي في العرض.
ومن هنا، لم يكن تعامله مع المسرح العالمي مجرد نقل لتجارب جاهزة، بل محاولة لإعادة صياغتها وفق رؤيته الخاصة.
شكسبير وتشيخوف.. الكلاسيكيات بعين مختلفة
قدم القصب عددًا من الأعمال المستوحاة من نصوص كبار الكتاب العالميين، ومن بينهم ويليام شكسبير وأنطون تشيخوف.
واشتغل على أعمال مثل «هاملت» و«العاصفة» و«الملك لير» و«ماكبث»، إلى جانب «الشقيقات الثلاث» و«الخال فانيا».
لكن القصب لم يتعامل مع هذه النصوص باعتبارها أعمالًا ثابتة لا يمكن المساس بها، وإنما رأى فيها مادة قابلة لإعادة القراءة والتشكيل.
وفي «ماكبث» على سبيل المثال، جمع بين الرسم والنحت والسينما والمسرح.
واستعان بمفردات مستوحاة من لغة الصورة السينمائية، مثل اللقطات القريبة والبعيدة والعامة، ليحول النص الكلاسيكي إلى تجربة بصرية مختلفة.
لم يكن تابعًا لمدرسة واحدة
ورغم استفادته من تجارب عدد من أبرز المخرجين والسينوغرافيين العالميين، لم يرتبط مشروع القصب بمدرسة غربية واحدة.
وتأثر بتجارب أسماء مثل تاديوش كانتور وجوزيف شينا وكاتالينا بوزيانو وغيرهم، لكنه لم يكتفِ باستنساخ أفكارهم أو جمالياتهم.
وعوضًا عن ذلك، أعاد صياغة ما تأثر به ضمن مشروعه الشخصي.
ليصبح تعامله مع المسرح العالمي أقرب إلى حوار إبداعي مستمر، وليس مجرد تقليد لتجارب الآخرين.
«مسرح الصورة».. المشروع الذي حمل بصمته
لم يكتفِ صلاح القصب بالتجريب على خشبة المسرح، وإنما سعى إلى وضع أساس نظري لمشروعه الفني.
ولد القصب في بغداد عام 1945، وتخرج في كلية الفنون الجميلة.
ثم واصل دراسته العليا في الإخراج المسرحي في رومانيا، قبل أن يعود إلى العراق ويعمل أستاذًا للإخراج المسرحي في كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد.
ومن خلال التدريس والإخراج والبحث، تطورت رؤيته للمسرح من مجرد ممارسة فنية إلى مشروع يبحث في طبيعة اللغة البصرية وعلاقتها بالنص والممثل والجمهور.
وفي هذا السياق، كتب بحثه «مسرح الصورة بين النظرية والتطبيق»، قبل أن يحوله إلى كتاب صدر بالعنوان نفسه عام 2003.
الصورة بدلًا من الحوار
كانت إحدى أبرز ملامح تجربة القصب تقليل الاعتماد على الحوار التقليدي، وإفساح مساحة أكبر للصورة والجسد والحركة.
فالضوء واللون والكتلة والإيماءة ومستويات الفضاء لم تكن بالنسبة إليه عناصر تجميلية، وإنما أدوات أساسية لبناء المعنى.
ولهذا، كان المتلقي أمام مشاهد وصور متتابعة لا تقدم دلالاتها بشكل مباشر.
وإنما تدفعه إلى التأمل والتخيل ومحاولة اكتشاف المعنى بنفسه.
الممثل.. جزء من الصورة
وفي عالم القصب المسرحي، لم يكن الممثل مجرد شخص يؤدي نصًا مكتوبًا، بل كان عنصرًا أساسيًا في تشكيل الصورة.
وكان مطلوبًا منه أن يوظف جسده وحركته وإيماءاته في التعبير عن أفكار ورموز قد تتجاوز البناء النفسي التقليدي للشخصية المسرحية.
وبذلك، أصبحت لغة الجسد جزءًا من اللغة البصرية التي اعتمد عليها القصب في بناء عروضه.
تفكيك الحكاية وإعادة تركيبها
أما في تعامله مع كلاسيكيات المسرح، فكان يميل إلى تفكيك الحكاية الأصلية وإعادة تقديمها من خلال مشاهد وصور رمزية.
ولم يكن هدفه بالضرورة سرد الأحداث وفق تسلسلها المعروف.
بل كان يهتم أكثر بالحالات النفسية والأسئلة الوجودية التي يمكن استخراجها من النص.
ومن خلال هذا النهج، منح القصب الجمهور دورًا أكثر نشاطًا.
بعدما أصبح عليه أن يفسر الصور والإشارات ويشارك في بناء المعنى بدلًا من تلقي الحكاية بصورة مباشرة.
إرث يتجاوز خشبة المسرح
لهذا كله، يصعب اختزال تجربة صلاح القصب في عدد من العروض المسرحية التي أخرجها.
بينما امتد مشروعه بين خشبة المسرح وقاعة الدراسة والبحث الأكاديمي.
كما ارتبط اسمه بمفاهيم وأبحاث أخرى مثل «ما بعد الصورة» و«كيمياء العرض» و«كيمياء الصورة» و«ماورائية الصورة»، في محاولة مستمرة لتطوير المفاهيم التي تقوم عليها تجربته.
ومن هنا، أصبح القصب واحدًا من أبرز المجددين في المسرح العراقي والعربي، بعدما نجح في بناء مشروع له لغته ومفرداته وأسئلته الخاصة.
وبرحيله، لا يغيب مخرج وأستاذ جامعي فحسب، بل تنتهي رحلة أحد أبرز أصحاب التجارب التي دفعت المسرح العراقي نحو التجريب.
وجعلت الصورة لغة قائمة بذاتها، والمسرح مساحة مفتوحة للتأويل لا مجرد مكان لرواية الحكايات.








