وائل تحسين بيك… الرجل الذي حفظ وجوهنا جميعاً ونسي الجميع أن يحفظوا وجهه

دمشق/ فادي المطلق

هناك رجال يمرّون في الحياة كالعابرين، وهناك رجال يتركون خلفهم ذاكرة كاملة لوطنٍ بأكمله.

وائل تحسين بيك واحد من هؤلاء.

رجلٌ أمضى سنوات عمره حاملاً كاميرته كما يحمل الأب قلبه بين يديه، يخشى على اللحظة من الضياع، وعلى الصورة من الموت، وعلى الحقيقة من النسيان.

منذ سنوات طويلة، كان حاضراً في كل مكان.

في الأفراح التي ملأت القلوب أملاً.
في المعارض التي أعلنت ولادة مشاريع جديدة.
في المؤتمرات التي وثّقت محطات مهمة من تاريخ البلاد.
وفي الأحداث التي ستبقى محفوظة في ذاكرة السوريين لسنوات طويلة.

كان دائماً هناك…

لكن أحداً لم ينتبه إليه.

كان الجميع يبحثون عن مواقعهم أمام عدسته، بينما كان هو يبحث عن أفضل زاوية ليظهروا بأجمل صورة.

كان يمنح الآخرين حضوراً يليق بهم، فيما كان حضوره الشخصي يذوب بصمت خلف الكاميرا.

كم هو قاسٍ أن يقضي الإنسان عمره كاملاً يصنع ذاكرة الآخرين، ثم لا يجد من يتذكر تعبه.

كم هو مؤلم أن يلتقط آلاف الصور للناس، بينما لا يلتقط أحد صورةً حقيقية لمعاناته وصبره وتفانيه.

وائل تحسين بيك لم يكن مجرد مصور صحفي.

كان شاهداً على زمن كامل.

عينه رأت ما لم تره عيون كثيرة.

وعدسته حفظت تفاصيل ربما كانت ستضيع إلى الأبد لو لم يكن هناك.

وربما لا يعرف كثيرون أن المصور الصحفي لا ينتهي عمله عندما تنتهي المناسبة.

فخلف كل صورة جميلة ساعات طويلة من الوقوف والإرهاق والانتظار والسفر والتعب والركض خلف الخبر.

خلف كل صورة ناجحة هناك إنسان استنزف جزءاً من عمره ليصنعها.

ووائل استنزف عمراً كاملاً.

لم يكن يطلب شهرة.

ولم يكن يبحث عن الأضواء.

كان يكتفي بأن يؤدي رسالته بأمانة، وكأن الصورة عهدٌ بينه وبين الحقيقة.

واليوم، ونحن نتحدث عن وائل تحسين بيك، فإننا لا نتحدث عن مصور فحسب.

نتحدث عن ذاكرة تمشي على قدمين.

عن رجل احتفظ بصورنا جميعاً، بينما كاد الزمن أن يحتفظ به وحيداً.

عن إنسان أعطى المهنة أجمل سنوات عمره، وقدم لها من صحته ووقته وجهده أكثر مما أخذ منها.

فإذا كانت الصور لا تموت، فإن أصحاب الرسالة الحقيقية أيضاً لا يموتون.

يبقون في كل لقطة التقطوها.

وفي كل ابتسامة وثقوها.

وفي كل لحظة أنقذوها من النسيان.

سيبقى وائل تحسين بيك اسماً محفوراً في ذاكرة الصورة السورية، ليس لأنه كان يحمل كاميرا فحسب، بل لأنه حمل على كتفيه عبء حفظ ذاكرة جيلٍ كامل.

ولأن بعض الرجال لا يحتاجون إلى أن يقفوا أمام العدسة كي يكونوا أكبر من الصورة نفسها.

📎 رابط مختصر للمقال: https://almanara.media/?p=63479
شارك هذه المقالة