نشرت على هذه الصفحة بعض القصص الإعلامية، ومنها قصة شيخنا أبي الهيثم. القصة واقعية تمامًا، فلعل فيها ما يفيد الأخوات الإعلاميات، والإخوة الإعلاميين.
رحم الله شيخي أبا الهيثم، الجزء الأول.
تعرفت إلى شيخي أبي الهيثم، ذلك الشيخ الدمشقي، في بداية ثمانينيات القرن الماضي.
في أول لقاء بيننا، في مركز الأخبار حيث كان مدققًا لغويًا، وكنت محررًا، ومترجمًا. قلت له أنا فلان من سورية. فقال: ومن أين في سورية؟ قلت من محافظة كذا، فقال: من أيَّة بلدة في المحافظة؟ قلت من بلدة كذا ..، وما كدت أكمل لفظ اسم بلدتي حتى تغير لون وجه أبي الهيثم، وتبدلت ملامحه.
وقال متحسرًا: هل تدري يا هشام ما فعلت بي؟ فقلت له: خيرًا إن شاء الله، فقال: لقد أعدتني إلى الحرب العالمية الثانية، فقلت متعجبًا: وما علاقةُ الحرب العالمية الثانية ببلدتي الصغيرة المسالمة، حفظك الله؟ فتبسم ضاحكًا، وقال، كمن تذكر حبيبًا: في تلك الأيام كنت مُعلمًا في بلدتكم، …ثم أمطرني بوابل من الأسئلة.
هل تعرف شيخ البلدة عبد الله؟، فقلت ذاك هو جدي، فاستحلفني بالله، هل هو جدُّك؟ فقلت: والله إنه جدي، فسارع إلى سؤالي: أما زال حيًا، فقلت له: توفَّاه الله سنة سبع وخمسين. وهل تعرف فلانًا ،…وفلانًا ، ….وهل ما زال المسجدُ الأثريُّ في البلدة القديمة قائمًا، قلت له نعم، والحمد لله.
بعد هذه الأسئلة عن فلان، وفلان ، وفلان، وعما إن كانوا أحياءً، وعن المسجد الذي كان يعلِّمُ فيه أبناءَ البلدة القرآنَ الكريم، واللغةَ العربية، طال صمتُ أبي الهيثم، وكأنه لم يبقَ منه إلا الجسد، وكأن الذاكرة طارت به في رحلة إلى تلك البلدة الصغيرة، يمشي في أزقتها، وبين بيوتها الحجرية القديمة، قاصدًا المسجد الذي أمضى فيه أيامًا لا تنسيه إيَّاها أربعةُ عقودٍ من الزمن مرت عليه، وشيئًا فشيئًا عادت الحياة إلى أسارير أبي الهيثم، وكأنه استيقظ من سبات.
وبدأ يروي لي قصصًا من حياته في البلدة، ومع كل قصة كان يذوب حنينًا، وشوقًا إلى تلك الأيام. حدثني عن أهل البلدة الذين كانوا يُجِلُّونَه لعلمِه، وأخلاقِه الحميدة، ويُكرمونه لقاءَ ما يجودُ به عليهم من علمه، فهو ضيفُهم، ومعلمُهم. كان يقول سقى الله تلك الأيام، كان جدُّك عبد الله، ومعه رجالُ القرية، وشبانها وحتى أطفالها لا يتأخرون عن حلْقة العلم في المسجد … كنتُ سعيدًا بهم، وفخورًا بحرصهم على التعلم، كانوا يجلسون ساعاتٍ من دون كللٍ ولا ملل …كان يتحدث كثيرًا عن حلقات العلم تلك …وعندما يرتوي من ذلك الحديث، كان يروي فصولًا من قصته مع القرية، فيقول: الصياد منهل كان يأتيني بالطيور التي يصطادها ببندقيته، ولا ينسى مدح براعة منهل في الصيد، وكان يقارن بين ما نأكلُه اليوم، وما كان يُهدى إليه من أهل البلدة من خيرات الأرض التي لم يمسسها سوءٌ، وكان يقول: يا سلام على دجاج تلك الأيام، يا سلام على بيض الدجاج في ذلك الزمان، يا سلام على خبز ذلك الأوان …، ثم يتذكر ضاحكًا كيف كان يتطوعُ أحدُ أهل البلدة بنقله على ظهر حمارٍ، أو صهوة حصان إلى بلدة مجاورة يمرُّ فيها الطريق الدَّولي القادم من تركيا إلى الأردن عبر أرض سورية، ومن تلك البلدة يذهب لزيارة أهله في دمشق كلَّ شهرٍ أو شهرين، بإحدى السيارات العابرة، وهي قليلة في ذلك الزمان، وينهي استحسانه تلك الأيام بكل ما فيها بقوله: تبًا للحضارة الزائفة …..
مرت أيامٌ قبل أن تخفَّ حماسةُ أبي الهيثم للحديث عن بلدتي، وما رأى فيها، وشوقه إلى تلك الأرض، وذلك الزمان، كلُّ ذلك كان يُروى على وقع صوت الآلة الكاتبة، الذي يملأ الغرفة ضجيجًا.
في ذلك الزمان، وقبل انتشار أجهزة الكمبيوتر، والطابعات الحديثة، كانت مفاتيح تلك الآلة الألمانية لا تتحرك إلا بصحبة أصواتٍ لا يتحملها إلا من كان مضطرًا، وما كان يزيد الطين بلة أصابع أبي كمال، طابعِ الأخبار، فقد كانت مفاتيحُ تلك الآلة القويةُ تئن تحت وطأة أصابعِ أبي كمال الغليظة، حتى إنه لم يكن يمر أسبوع إلا وتشتكي تلك الطابعة المسكينة إلى زميلنا الهندي عبد الرحيم قاضي ” فني الصيانة” ذي الأخلاق الطيبة ظلمَ أبي كمال، فيأتي عبد الرحيم، ويبدأ إصلاح ما أفسده أبو كمال، وكان يقول بلغة عربية لا تخلو من كلمات هندية، وإنجليزية، إنه كان يعمل على ظهر سفينة تجارية، تجوب بحار العالم شرقًا وغربًا، وشمالاً وجنوبًا، وإن أجهزة السفينة، التي كان مسؤولا عن صيانتها كانت تعمل من دون كثير شكوى، وإنها قد تظل على خير ما يرام طَوال رحلة تستغرق شهورًا… كان يتحدث عن أجهزة السفينة، وكثرتها، وتنوعها، ثم يختم حديثه بالقول إن طابعة أبي كمال، وأعطالَها في كِفة، وأجهزة سفينته، وأعطالها القليلة في كفة، وقد ترجح كفة أبي كمال وطابعته أحيانًا.
في الجزء الثاني سأحدثكم إن شاء الله عن غيرة شيخي أبي الهيثم على لغتنا المباركة، ومنهجه في تدقيق الأخبار.








