المجنون والنافذه.. بقلم/ صباح بدر الدريعي

في آخر الشارع، حيث تنتهي المدينة ويبدأ الصمت، كان يجلس رجلٌ يسمّيه الجميع: المجنون.
لم يكن أحد يعرف اسمه الحقيقي، ولا من أين جاء، ولا لماذا اختار ذلك الرصيف بالذات ليكون وطنه. كان يظهر كل صباح بالثوب نفسه تقريبًا، معطفًا رماديًا أكلت أطرافه الأيام، وحذاءً متعبًا يجرّه خلفه كأن الطريق أثقل من قدميه.
وكان يحمل وردة.وردة واحدة، حمراء في الأصل، لكنها مع مرور الأيام أخذت تفقد لونها حتى صار احمرارها يشبه جرحًا قديمًا.كان يضعها كل صباح أمام نافذة بيتٍ قديم في الجهة المقابلة، ثم يجلس بعيدًا عنها، وينتظر.
ينتظر ماذا؟
لا أحد يعرف.
كان الناس يمرون بجانبه، بعضهم يضحك، وبعضهم يرمقه بشفقة، وبعضهم يتعوذ منه كأن الجنون مرضٌ معدٍ.أما هو، فلم يكن يهتم.كان يتحدث إلى المارة أحيانًا، وإلى الأشجار أحيانًا، وإلى الغائبين دائمًا.
ذات صباح، مرّ به رجلٌ أنيق، يحمل حقيبة جلدية وهاتفًا لامعًا، فقال للمجنون ساخرًا:
— ألم تتعب من الجلوس هنا؟
رفع المجنون رأسه وقال:
— ومن قال لك إنني جالس؟
ضحك الرجل:
— وماذا تفعل إذن؟
نظر المجنون إلى النافذة وقال:
— أنتظر امرأةً لا تأتي.
ضحك الرجل أكثر:
— وهل ما زلت تنتظرها بعد كل هذه السنوات؟
ابتسم المجنون ابتسامة حزينة:
— أنت أيضًا تنتظر.
تغير وجه الرجل.
— ماذا أنتظر؟
قال المجنون:
— تنتظر أن يصدق الناس أنك سعيد.
سقطت الضحكة من وجه الرجل، ومضى مسرعًا.
ومنذ ذلك اليوم، صار بعض أهل الحي يخافون من كلام المجنون أكثر من جنونه.
في الظهيرة، جاءت فتاة صغيرة تحمل قطعة خبز.جلست إلى جواره وسألته:
— لماذا لا تأكل؟
أجاب:
— أنا لا أجوع.
— إذن لماذا تأخذ الطعام؟
ابتسم:
— لأنني أخاف أن يجوع شخصٌ يأتي ولا أجده.
نظرت إليه طويلاً، ثم قالت:
— من تنتظر؟
أشار إلى النافذة.
— أمي؟
هز رأسه.
— أختك؟
هز رأسه مرة أخرى.
— حبيبتك؟
لأول مرة، لم يبتسم.
خفض عينيه وقال:
— كانت كل ذلك.
ثم صمت.وبعد لحظات، أضاف:
— كانت أمي حين أخاف، وأختي حين أتعب، وحبيبتي حين أشتاق… وكانت وطني حين صار الوطن ضيقًا عليّ.
قالت الطفلة:
— وأين ذهبت؟
نظر إلى النافذة.
— قالوا إنها ماتت.
— وهل تصدقهم؟
ابتسم.
— الموتى لا يتركون النوافذ مضاءة.
رفعت الطفلة عينيها إلى النافذة.
كانت مغلقة.لكن خلف الستارة كان هناك ضوء خافت.
في المساء، تجمّع بعض الشبان حوله.
كانوا يريدون التسلية.
قال أحدهم:
— أيها المجنون، هل تستطيع أن تعرف من منا كاذب؟
نظر إليهم واحدًا واحدًا.ثم قال:
— كلكم.
ضحكوا.
قال آخر:
— ومن منا لص؟
أجاب:
— الذي يخاف أن تفتشوا جيوبه.
ضحكوا أكثر.
ثم اقترب رجلٌ منهم ووضع أمامه ساعة ثمينة وقال:وهذه؟ هل تستطيع أن تعرف لمن هي؟
حدّق المجنون في الساعة طويلًا.
ثم قال:ليست لك.
ارتبك الرجل.كيف عرفت؟
أجاب:لأن صاحبها الحقيقي لا يضحك حين يراها.
ساد الصمت.
أخرج الرجل يده من جيبه وأخذ الساعة سريعًا.
قال المجنون:
— لا تخف… لن أفضحك.ثم رفع رأسه وأضاف:أنا مجنون، ولست قاضيًا.
كانت الجملة كافية لإسكاتهم.
مرت الأيام.ثم جاء الشتاء.
وفي ليلة باردة، هبّت ريحٌ عاصفة، وانطفأت أنوار الشارع.كان المجنون ما يزال جالسًا أمام النافذة.
صرخ أحدهم من بعيد:
— اذهب إلى مكان دافئ!لم يجب.
كان المطر يضرب وجهه، والريح تعبث بثيابه.لكنه بقي هناك.وفجأة انفتح باب البيت القديم.
خرجت منه امرأة عجوز، وقالت له:
— كفى!
رفع رأسه.— كفى ماذا؟
— كفى انتظارًا.
اقتربت منه، ثم قالت:المرأة التي تنتظرها لن تعود.
قال بهدوء:أعرف.
توقفت العجوز.إذن لماذا تنتظر؟
نظر إليها، وكانت عيناه تلمعان تحت المطر:
— لأنني وعدتها.
— وماذا وعدتها؟
— قلت لها: إذا ضاقت بك الدنيا، ستجدينني عند النافذة.
بكت العجوز.ثم قالت:
— لقد ماتت منذ خمسة عشر عامًا.
ابتسم.
— أعرف.
— كنت تعرف؟
— نعم.
— فلماذا بقيت هنا؟
رفع الوردة الذابلة أمام وجهه.وقال:
— لأنها قالت لي قبل أن تموت: “لا تجعلني آخر شيءٍ تفقده.”ثم نظر إلى النافذة.وأنا فعلت ما طلبت.
في تلك اللحظة، حدث شيء لم يتوقعه أحد.انفتح باب البيت مرة أخرى.خرج رجل مسنّ يحمل صندوقًا خشبيًا صغيرًا.اقترب من المجنون ووضع الصندوق أمامه.قال:
— هذه أشياؤها.لم يتحرك الرجل.
— لماذا تعطيني إياها الآن؟
قال المسن:لأنها كتبت اسمك على الصندوق.
ارتجفت يدا المجنون.فتح الصندوق.
كان بداخله وشاح أبيض، ورسالة قديمة، وصورة لامرأة شابة تبتسم.
أخذ الصورة.ظل ينظر إليها طويلًا.
ثم وضعها على صدره.وللمرة الأولى منذ سنوات، بكى.لم يكن بكاؤه صاخبًا.كان بكاءً هادئًا، يشبه سقوط بيتٍ قديم في داخله.فتح الرسالة.
قرأ السطر الأول.ثم توقف.رفع عينيه إلى السماء وقال:
— كنتِ تعرفين أنني سأنتظر.
لم يجبه أحد.فقال:
— كنتِ تعرفين.ثم بدأ يضحك.
ضحكة غريبة، موجعة، ممزوجة بالبكاء.خرج أهل الحي من بيوتهم.
تجمعوا حوله.
نظر إليهم، ثم قال:
— الآن فقط… أستطيع أن أذهب.
سأله أحدهم:
— إلى أين؟
ابتسم.إليها.ثم وقف.كانت ساقاه ترتجفان من البرد والتعب، لكنه وقف.
أخذ الوردة اليابسة، ووضعها داخل الصندوق، وأغلقه.ثم مشى.خطوة…
خطوتان…حتى بلغ منتصف الشارع.
توقف، واستدار نحو النافذة.كانت مضاءة.ابتسم.
وقال بصوتٍ سمعه الجميع:
— سامحيني… تأخرت.
ثم مضى.
وفي صباح اليوم التالي، وجدوا مقعده فارغًا.لم يجدوا الرجل.لم يجدوا الصندوق.ولم يجدوا الوردة.
لكن على زجاج النافذة القديمة، كانت هناك جملة مكتوبة بالبخار:
ليس كل من يتحدث إلى الغائبين مجنونًا… بعضنا فقط لم يجد بين الأحياء من يفهمه.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد أهل الحي يسمّونه المجنون.
صاروا يسمّونه:
الرجل الذي أحبّ امرأةً حتى صار غيابها وطنًا.

📎 رابط مختصر للمقال: https://almanara.media/?p=70970
شارك هذه المقالة