وأظهرت الدراسة، التي نُشرت في مجلة «النشرة النفسية»، أن العلاقة بين الدخل والشخصية تسير في الاتجاهين؛ فكما قد يرتبط ارتفاع الراتب بتغير بعض السمات الشخصية، يمكن لبعض هذه السمات أن تتنبأ بالتغيرات المستقبلية في دخل الفرد.
دراسة على أكثر من 134 ألف موظف
شارك في الدراسة باحثون بقيادة وين دونغ لي، الأستاذ المشارك في الإدارة بالجامعة الصينية في هونغ كونغ، وكايلي يو، إلى جانب باحثين آخرين، واعتمدت على بيانات أكثر من 134 ألف موظف، بهدف فهم طبيعة العلاقة بين الدخل وسمات الشخصية على مدار سنوات، وتفسير الاختلاف بين نتائج الدراسات السابقة.
وجمع الفريق البحثي بيانات من 11 دراسة طولية أُجريت في الولايات المتحدة وألمانيا وهولندا والنرويج وأستراليا، وامتدت فتراتها الزمنية بين 4 و20 عامًا، بما أتاح للباحثين تتبع التغيرات التي طرأت على الأفراد مع مرور الوقت، بدلًا من الاكتفاء بمقارنة أشخاص تختلف دخولهم وسماتهم الشخصية.
كيف تؤثر زيادة الراتب في سمات الشخصية؟
يعتمد علماء النفس في تصنيف الشخصية على خمسة عوامل رئيسية، تشمل الضمير الحي، والاستقرار العاطفي، والتوافق، والانبساط، والانفتاح على التجارب الجديدة.
ويعبر الضمير الحي عن التنظيم والاجتهاد والالتزام بالمسؤوليات، بينما يشير الاستقرار العاطفي إلى القدرة على التعامل مع الضغوط بهدوء، ويرتبط التوافق بالتعاون والتعاطف، في حين يعكس الانبساط الحيوية والتفاعل الاجتماعي، أما الانفتاح فيرتبط بالفضول والإبداع والاستعداد لخوض تجارب مختلفة.
وأظهرت نتائج الدراسة أن ارتفاع الدخل ارتبط لاحقًا بزيادة طفيفة في الضمير الحي والاستقرار العاطفي، بينما صاحبه انخفاض محدود في التوافق والانبساط، ولم تظهر علاقة ذات دلالة إحصائية بين الدخل والانفتاح على التجارب.
ويرجح الباحثون أن بعض الوظائف الأعلى أجرًا قد تتطلب قدرًا أكبر من الانضباط وتحمل الضغوط والتركيز على إنجاز المهام، وهو ما قد يرتبط بزيادة بعض السمات الشخصية، لكنه لا يعني بالضرورة أن كل من يحصل على راتب أعلى ستطرأ عليه التغيرات نفسها.
هل تؤثر الشخصية في الدخل أيضًا؟
لم تتوقف النتائج عند تأثير الدخل في الشخصية، بل كشفت عن ارتباط متبادل بين الجانبين؛ إذ ارتبط ارتفاع الضمير الحي والاستقرار العاطفي بزيادة لاحقة في الدخل، ما يشير إلى أن التنظيم والقدرة على التعامل مع الضغوط قد يرتبطان بالمسار المهني والنجاح المالي.
وفي المقابل، ارتبط ارتفاع الانبساط بانخفاض طفيف في الدخل اللاحق، بينما لم تتنبأ التغيرات في التوافق والانفتاح على التجارب بصورة واضحة بالتغيرات المستقبلية في الأجور.
وأوضح الباحثون أن العلاقة بين الانبساط والدخل قد تختلف باختلاف طبيعة العمل؛ فالتفاعل الاجتماعي قد يمثل ميزة في بعض المهن التي تعتمد على التواصل، بينما قد لا تكون بعض مظاهر البحث عن الإثارة أو الانشغال بالتفاعلات الاجتماعية مفيدة بالقدر نفسه في وظائف أخرى تتطلب تركيزًا مستمرًا.
هل زيادة الراتب تغير الشخصية بشكل كبير؟
رغم النتائج التي توصلت إليها الدراسة، فإن التأثيرات التي رصدها الباحثون كانت محدودة، ما يعني أن زيادة الراتب لا تؤدي بالضرورة إلى تحول جذري في شخصية الفرد، وإنما قد ترتبط بتغيرات طفيفة تتراكم مع الوقت.
كما أشارت التحليلات إلى أن التأثيرات المتبادلة بين الدخل والشخصية قد تزداد في البداية، وتبلغ ذروتها بعد نحو عام إلى عام وأربعة أشهر، ثم تتراجع تدريجيًا خلال السنوات التالية، مع الإشارة إلى أن هذا المسار الزمني استند إلى نموذج إحصائي ولم يُرصد مباشرة بفواصل زمنية تقل عن عام.
وتشير النتائج في مجملها إلى أن العلاقة بين المال والشخصية أكثر تعقيدًا من مجرد ارتباط الراتب المرتفع بالنجاح؛ إذ يمكن للظروف المهنية والسمات الفردية أن تتفاعل معًا بمرور الوقت، مع ضرورة عدم اعتبار الارتباط الإحصائي دليلًا قاطعًا على أن زيادة الراتب وحدها هي التي تسبب تغير الشخصية.








