بقلم الصحفية المغربية مريم بدران : حين يصبح الخراب نظامًا… ويغدو الإنسان آخر ما يُؤخذ في الحسبان.

 

 

ليست الكارثة في أن العالم امتلأ بالظلم، بل في أن الظلم تعلم كيف يرتدي لغة الفضيلة. لم يعد القمع يأتيك بوجهه الحقيقي، بل بربطة عنق، وخطاب رسمي، وشعارات عن الأمن، والتقدم، والمصلحة العامة. لم تعد الأكاذيب تحتاج إلى الاختباء، لأنها أصبحت تدار بذكاء يكفي لتحويلها إلى حقائق يتداولها الجميع دون سؤال.

لم يعد الإنسان محور هذا العالم، بل أصبح مادته الخام. رقمًا في قاعدة بيانات، ملفًا في مؤسسة، إحصائية في تقرير، أو موردًا اقتصاديًا تحدد قيمته بقدر ما ينتج، لا بقدر ما يملك من كرامة. ومع كل خطوة يظنها تقدمًا، يخسر جزءًا جديدًا من إنسانيته، حتى باتت الإنسانية نفسها تبدو وكأنها عبء يجب التخلص منه لا قيمة يجب حمايتها.
الخوف لم يعد شعورًا عابرًا، بل أصبح نظامًا كاملًا لإدارة البشر. وحين يعيش الإنسان داخل قلق دائم، يصبح أكثر استعدادًا للطاعة، وأكثر قابلية للتخلي عن حريته مقابل وهم الأمان. وأرى أن كثيرًا من الأزمات التي نعيشها تستحق أن تُقرأ بعمق، لا باعتبارها أحداثًا منفصلة، بل بوصفها جزءًا من واقع معقد تتداخل فيه السياسة والاقتصاد والإدارة والمصالح. وسواء كانت بعض الأزمات نتيجة الصدفة، أو سوء الإدارة، أو قرارات مقصودة، فإن النتيجة واحدة: الإنسان العادي هو من يدفع الثمن. وما أكتبه هنا لا يمثل حقيقة مطلقة، بل قراءة شخصية وتأملًا في واقع أراه يستحق التساؤل والنقاش.
لكن أخطر ما أصاب هذا العصر ليس فساد السلطة وحدها، بل نجاحها في إعادة تشكيل وعي الناس. لم تعد السيطرة تحتاج إلى السلاح بقدر حاجتها إلى إغراق العقول. يكفي أن يستهلك الإنسان يومه بين التفاهة، والإثارة، والضجيج، حتى ينسى السؤال الوحيد الذي يستحق أن يُطرح: من يصنع هذا الواقع؟ ولماذا أصبح الخراب يبدو طبيعيًا إلى هذا الحد؟

وفي الجهة الأخرى، يشارك المجتمع أحيانًا في إعادة إنتاج مأساته بنفسه. يكرر الأخطاء جيلًا بعد جيل بعد جيل، ويورث الفقر كما يورث الأسماء، وينجب داخل بيئات لا تملك مقومات الحياة الكريمة، ثم يعامل النتائج وكأنها قدر لا يمكن تغييره. يصبح الإنسان أسير دورة مغلقة من الجهل، والحرمان، والانتظار، حتى يفقد قدرته على تخيل واقع مختلف.

ولم تكن المرأة بعيدة عن هذا الانهيار الأخلاقي. فمنذ قرون، دفعت ثمن أفكار اختزلتها في جسد، وحولتها من إنسانة كاملة إلى شيء قابل للاستعمال. تغيرت الأشكال، لكن كثيرًا من الجذور بقيت كما هي. ما زالت المرأة في أماكن كثيرة مطالبة بأن تبرر وجودها، وأن تتحمل نتائج عقلية ترى فيها ملكية أكثر مما ترى فيها إنسانًا.
التاريخ مليء بالشواهد على ذلك ، من أسواق النخاسة إلى وأد البنات، ومن الاستباحة الصريحة إلى القهر الذي يرتدي اليوم ثيابًا أكثر حداثة. المشكلة لم تكن في عصر بعينه، بل في الفكرة التي تسمح بتحويل الإنسان إلى شيء، والكرامة إلى امتياز، والحقوق إلى منحة تمنح أو تمنع.
لهذا فإن الأزمة الحقيقية ليست اقتصادية، ولا سياسية، ولا اجتماعية فقط. إنها أزمة معنى. أزمة عالم بدأ يقيس قيمة الإنسان بما يملكه لا بما هو عليه، ويمنح القوانين سلطة على البشر بدل أن يجعلها وسيلة لحمايتهم. عالم يتحدث كثيرًا عن الأخلاق بينما يتعامل مع الإنسان كأنه مادة قابلة للإدارة والتدوير والاستبدال. ولم تكن الحيوانات بمنأى عن هذا المنطق الذي يحول الكائنات إلى أدوات. فحين تُقاس قيمة الحياة بما تقدمه من منفعة، تصبح الحيوانات مجرد وسائل للإنتاج، أو التجارب، أو الترفيه، أو الاستهلاك، وتُهمش حقيقة أنها كائنات تشعر بالألم والخوف وتسعى إلى البقاء كما يسعى الإنسان. إن الطريقة التي يعامل بها المجتمع أضعف مخلوقاته ليست قضية هامشية، بل مرآة تكشف مستوى وعيه الأخلاقي. فالقسوة لا تتوقف عند حدود نوع واحد إنها تبدأ حين تُسلب الرحمة من القلب، ثم تمتد لتطال كل من لا يملك القوة للدفاع عن نفسه، سواء كان إنسانًا أم حيوانًا. وحين تصبح الرحمة استثناءً لا قاعدة، فإن الخراب لا يصيب البشر وحدهم، بل يصيب الفكرة نفسها التي تجعل للحياة قيمة.
وحين يصل المجتمع إلى مرحلة يصبح فيها الصمت فضيلة، والتفكير تهمة، والاعتراض خللًا، فإن المشكلة لم تعد في النظام وحده، بل في قابلية الناس للتعايش مع ما كان ينبغي أن يرفضوه منذ البداية.

ويبقى السؤال الذي يطارد كل هذا الخراب: ماذا يتبقى من الحضارة حين تفقد الإنسان؟ وما قيمة أي تقدم إذا انتهى بنا إلى عالم أكثر تنظيمًا… لكنه أقل إنسانية؟

📎 رابط مختصر للمقال: https://almanara.media/?p=68158
شارك هذه المقالة