في التاسع عشر من رمضان عام 2004، طوى الوطن صفحة من أنبل صفحاته برحيل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه.
لم يكن ذلك اليوم يوماً عادياً في ذاكرة الإماراتيين والعرب والمسلمين؛ فقد غابت فيه شخصية استثنائية جمعت بين الحكمة والكرم وبعد النظر، وارتقت بالإنسان قبل العمران، وبالروح قبل المادة. كان رحيله لحظة فارقة شعر فيها الجميع بأنهم فقدوا أباً قبل أن يفقدوا قائداً.
كنتُ في فندق الإنتركونتيننتال في أبوظبي، مشاركاً في منتدى الهدى النبوي، حين بلغني خبر وفاته. ما زالت تلك اللحظة محفورة في الذاكرة: صمت ثقيل، ووجوه مذهولة، وقلوب تدرك أن رجلاً بحجم زايد لا يتكرر. لم يكن مجرد رئيس دولة؛ كان رمزاً إنسانياً نادراً، وواحة أمان، ومرجعاً في الحكمة والرحمة.
في اليوم التالي، شاركتُ في جنازته، ذلك المشهد المهيب الذي اختلطت فيه دموع الرجال بخشوع الدعاء. دُفن في المكان الذي أوصى به، قرب جامع الشيخ زايد الكبير، وكأن روحه أرادت أن تبقى قريبة من الناس الذين أحبهم وخدمهم طوال حياته.
وخلال العشر الأواخر من رمضان، بقينا نسهر قرب قبره، نقرأ القرآن على روحه الطاهرة. فكنا نجلس عند القبر كما كنا نجلس في القصر، وفاءً لهذا الرجل، وإيماناً بأن محبته لن ترحل برحيله. كانت تلك الليالي مزيجاً من الحزن والسكينة، ومن الوفاء والامتنان.
أذكر جيداً من كان يجلس بجانبي: سمو الشيخ طحنون بن محمد آل نهيان، ممثل الحاكم في مدينة العين رحمه الله، والدكتور أحمد الكبيسي، وكثير من أهل الخير الذين جاءوا بدافع المحبة والوفاء.
وكان الفريق محمد هلال الكعبي، الأخ أبو أحمد، يتولى تنظيم تأمين الطعام للحضور، في مشهد يعكس روح الجماعة التي زرعها الشيخ زايد في نفوس أبناء الوطن.
لم يكن الشيخ زايد قائداً عادياً؛ كان مدرسة في الإنسانية. جمع بين الحزم والرحمة، وبين الرؤية البعيدة والاهتمام بالتفاصيل الصغيرة التي تمس حياة الناس. آمن بأن بناء الإنسان هو أساس بناء الدولة، وأن الخير لا يُحصر في حدود جغرافية. لذلك امتدت أياديه البيضاء إلى كل محتاج، في كل مكان.
من الصعب أن يغيب ذكر هذا الرجل عن الذاكرة. فكل زاوية في الإمارات تحمل بصمته، وكل إنجاز وازدهار هو امتداد لفكره، وكل لحظة أمان يعيشها المواطن والمقيم هي من ثمار حكمته.
رحل الجسد، لكن الأثر باقٍ، والنهج مستمر، والذكرى تتجدد كلما نظرنا إلى وطن بناه بحب، ورعاه بإخلاص، وتركه أمانة في أعناق أبنائه.
رحم الله الشيخ زايد، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن شعبه وأمته خير الجزاء.
أبوظبي في 2026/03/08 ميلادي
الموافق 19/رمضان / 1447 هجري







