تعيش المنطقة واحدة من أكثر لحظاتها حساسية منذ عقود، حيث تتقاطع الحسابات الإقليمية مع التحولات الدولية، وتتصادم المشاريع العقائدية مع متطلبات الأمن والاستقرار.
وفي وسط هذا المشهد المربك، يصبح الحوار مع الذات ضرورة لفهم ما يجري بعيداً عن الضجيج والدعاية، وبعيداً عن الخطابات التي تحاول صناعة واقع موازٍ للحقائق.
إيران بين العقيدة وحدود القوة
إيران ليست مجرد دولة ذات نفوذ، بل مشروع عقائدي يحدد سياساته من منطلقات أيديولوجية تتجاوز حدود السياسة التقليدية. وهذا ما يجعل الحوار معها، بالنسبة لكثيرين، مهمة شبه مستحيلة. فالدولة التي تبني نفوذها على “عقيدة الثورة” لا تتعامل مع الجوار العربي بوصفه شريكاً، بل بوصفه مجالاً مفتوحاً للتمدد.
ومع ذلك، فإن هذا المشروع يواجه اليوم ضغوطاً غير مسبوقة: عقوبات خانقة، احتجاجات داخلية، وتراجع في القدرة على المناورة. وقد أثبتت التجارب أن الأنظمة العقائدية قد تصمد طويلاً، لكنها عندما تبدأ بالتصدع، تنهار بسرعة تفوق التوقعات.
قراءة في التصريح الإيراني الأخير
في خضم هذا المشهد، برز تصريح إيراني يقول:
«لن نهاجم الدول المجاورة إلا إذا انطلقت الهجمات منها».
ورغم أن الجملة تبدو في ظاهرها إعلان تهدئة، إلا أن صياغتها تحمل تلميحاً سياسياً خطيراً. فعبارة «إلا إذا انطلقت الهجمات منها» ليست مجرد شرط لغوي، بل باب مفتوح للاتهام يمكن لإيران استخدامه في أي لحظة.
فعندما تقول إيران إنها لن تهاجم إلا إذا انطلقت الهجمات من دولة مجاورة، فهي تترك لنفسها مبرراً جاهزاً لاتهام أي دولة لاحقاً بأنها مصدر هجوم، وبالتالي تبرير ضربها. هذه ليست صياغة تهدئة، بل صياغة تمنح إيران مساحة واسعة للتصعيد عند الحاجة.
وتزداد خطورة هذا التلميح عندما نعلم أن عراقجي، وهو دبلوماسي إيراني بارز، قدّم تقارير للبعثات الإيرانية في الخارج تزعم أن:
– الخليج كان مصدر إطلاق الصواريخ التي استهدفت إيران،
– وأن الهجمات جاءت من أراضٍ خليجية.
لكن هذا يتناقض تماماً مع ما هو معروف ميدانياً، لأن:
– القواعد التي شاركت في العمليات كانت في البحر المتوسط،
– ودول الخليج امتنعت بالكامل عن تسخير أراضيها أو قواعدها لأي هجوم،
– ولم تُسجّل أي عملية إطلاق من أراضٍ خليجية.
ومع ذلك، تستخدم إيران صياغة شرطية توحي بأنها تحتفظ بحق الرد على دول الخليج، رغم معرفتها أن الهجمات لم تنطلق من أراضيه. وهذا ما يجعل التلميح غريباً من الناحية العسكرية، لكنه مفهوماً سياسياً:
إيران تحاول خلق رواية مسبقة تتيح لها اتهام الخليج لاحقاً، وتبرير أي رد عسكري مستقبلي.
العصر الأمريكي… بين النفوذ والواقع
لا يمكن إنكار أن العالم يعيش في عصر أمريكي من حيث الاقتصاد والتكنولوجيا والنظام المالي. لكن الإشكال الحقيقي ليس في هذا النفوذ، بل في تداخله مع الصراع العربي–الإسرائيلي، ما يخلق حساسية مضاعفة لدى الشعوب العربية. ومع ذلك، فإن قراءة المشهد من زاوية “المؤامرة” وحدها تبقى قراءة قاصرة، لأن الدول تُقاس بقدرتها على حماية مصالحها، لا بعدد الشعارات التي ترفعها.
دول الخليج… نجاح دفاعي لا يمكن تجاهله
وسط كل الدعاية التي حاولت تصوير دول الخليج كأنها عاجزة أمام الهجمات، جاءت الوقائع لتقول شيئاً مختلفاً تماماً. فقد أثبتت دول الخليج، وفي مقدمتها الإمارات العربية المتحدة، أنها ليست مجرد مستهلك للسلاح، بل قادرة على استخدامه بكفاءة عالية.
تعرضت الإمارات لهجمات صاروخية ومسيرات تعادل في حجمها مجموع ما تعرضت له دول مجلس التعاون مجتمعة، ومع ذلك كانت نسبة التصدي تقترب من 100%.
وهذا ليس رأياً نظرياً، بل شهادة من واقع معيش. فقد شاهدت بنفسي كيف تعاملت الإمارات مع الهجمات بثبات واحترافية، وكيف أثبتت قواتها المسلحة ودفاعاتها الجوية أنها قادرة على حماية الدولة دون ارتباك أو تهويل.
لم تُغلق المساجد، لم تُرفع أسعار الوقود، لم تتوقف الحياة، ولم تُغلق المولات أو الحدائق. بقيت الحياة اليومية تسير بشكل طبيعي، وكأن الرسالة واضحة: الأمن مستتب، والثقة بالنفس أعلى من أن تهتز.
القيادة الإماراتية… رسالة طمأنينة وسط العاصفة
وسط كل الدعايات المغرضة التي حاولت تصوير المشهد وكأنه انهيار أو حالة ذعر، شاهد الجميع مشهداً مختلفاً تماماً:
صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، ومعه وزير الدفاع سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي، يمشيان في مول دبي، يجلسان لتناول السحور، ويتصوران مع الناس من كل الجنسيات.
هذا المشهد لم يكن بروتوكولاً ولا استعراضاً، بل رسالة واضحة مفادها أن الحياة طبيعية، وأن القيادة بين الناس، وأن الطمأنينة ليست شعاراً بل ممارسة. وهي تجسيد عملي لعبارة طالما رددها محمد بن زايد: «لا تشيلون هم».
الحرب المحتملة… بين الواقع والخيال
الحديث عن حرب شاملة مع إيران يفتح الباب أمام سيناريوهات كثيرة، بعضها واقعي وبعضها أقرب إلى الخيال. فإيران لن تستسلم بسهولة، لكنها أيضاً ليست قادرة على خوض حرب طويلة مع قوى كبرى. وأي مواجهة واسعة ستترك المنطقة أمام خريطة جديدة، قد لا تشبه ما نعرفه اليوم.
لكن المؤكد أن إيران اليوم ليست إيران الأمس، وأن قدرتها على المناورة تتراجع مع تزايد الضغوط الداخلية والخارجية، وأن الثقة بينها وبين محيطها العربي تكاد تكون معدومة.
الداخل الإيراني… العامل الذي قد يغيّر كل شيء
قد تكون نقطة التحول الحقيقية داخل إيران نفسها. فجيل الشباب، الذي تعب من القيود والأزمات، قد يصبح في لحظة ما القوة التي تغيّر المعادلة. وإذا حدث ذلك، فقد تتوقف الحرب قبل أن تبدأ، أو تنتهي أسرع مما يتوقع الجميع.
خاتمة
الحوار مع الذات في هذه اللحظة ليس ترفاً، بل ضرورة. فالمشهد معقد، والحقائق متداخلة، والرهانات كبيرة. لكن ما يمكن قوله بثقة هو أن دول الخليج، وعلى رأسها الإمارات، أثبتت أنها ليست الحلقة الأضعف، وأنها قادرة على حماية نفسها، وأنها جزء أساسي من معادلة الأمن الاقليمي
البروفيسور محمد أبو الفرج صادق
كاتب ومفكر عربي وباحث أكاديمي واستاذ جامعي و محلل سياسي








