الاتصال في دول مجلس التعاون الخليجي: من البيانات الصحفية إلى التواصل المرتكز على الرسالة والهدف

حبيب باشا

بقلم د. حبيب باشا مستشار في الاتصال والعلاقات العامة

شهد قطاع الاتصال والعلاقات العامة في دول مجلس التعاون الخليجي خلال العقدين الماضيين تحولاً جذرياً يعكس التطور الاقتصادي والاجتماعي السريع الذي تعيشه المنطقة.

وبعد 24 عاماً في هذا المجال وحصولي على درجة الدكتوراه في الإعلام، أستطيع القول إن الصناعة أعادت ابتكار نفسها مرات عدة. فبعد أن كانت تعتمد على البيانات الصحفية، والغداءات الإعلامية، والرسائل ذات الطابع التفاعلي المحدود، أصبحت اليوم قوة محركة لإدارة السمعة، وصياغة السرديات الاستراتيجية، وبناء الثقة العامة.

من العلاقات العامة التنفيذية إلى الدور الاستشاري الاستراتيجي

في مطلع الألفية، كانت العلاقات العامة في المنطقة تُمارس بصورة تشغيلية، وتركّز على ملء صفحات الصحف وتأمين الظهور التلفزيوني.

أما اليوم، فقد أصبحت الاتصالات جزءاً أساسياً من منظومة اتخاذ القرار. فالمؤسسات في الإمارات والسعودية وقطر باتت تنظر إلى التواصل كعامل مؤثر في الاستراتيجية المؤسسية، والسمعة، وقيمة الشركة، بل وحتى ثقة المستثمرين.

وأصبح الرؤساء التنفيذيون ومجالس الإدارات يعتمدون على خبراء الاتصال لتقديم المشورة حول التموضع، وإدارة أصحاب المصلحة، والتخطيط للأزمات.

وقد تسارع هذا التحول بفضل البرامج الوطنية الطموحة مثل رؤية السعودية 2030 ومئوية الإمارات 2071، التي تتطلب روايات واضحة وموثوقة لجذب الاستثمارات والمواهب والشركاء الدوليين.

التحول الرقمي وقوة البيانات

مع امتلاك المنطقة لأعلى معدلات انتشار الهواتف الذكية عالمياً، أصبح الإعلام الاجتماعي المصدر الأول للمعلومة، ما غيّر قواعد اللعبة في الاتصالات.

فالتواصل لم يعد رسالة تُرسل باتجاه واحد، بل أصبح حواراً آنياً ومستمراً. اليوم، تعتمد الحملات على تحليلات البيانات لتحديد توقيت الإطلاق، واختيار المؤثرين، وقياس الفاعلية.

كما توفر تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل المشاعر وأدوات الرصد الاجتماعي رؤىً لم تكن ممكنة قبل عشرين عاماً. وبات نجاح أي حملة في المنطقة مرهوناً بكونها مدفوعة بالبيانات، موجهة للجمهور، ومتصلة بنتائج أعمال حقيقية، لا بمؤشرات وهمية.

اتصال الأزمات: معيار جديد لا يمكن تجاهله

مع تحوّل دول الخليج إلى مراكز عالمية للأعمال والسياحة والطاقة والفعاليات الكبرى، ازداد مستوى التدقيق والمتابعة الدولية.

وأصبح التواصل أثناء الأزمات ضرورة لا ترفاً. سواء تعلق الأمر بتهديد سمعة، أو رد فعل واسع على وسائل التواصل، أو حدث جيوسياسي، فمنظمات اليوم مطالَبة بالرد خلال ساعات لا أيام.

الشركات التي كانت تتردد في التعليق باتت تدرك قيمة الشفافية والسرعة، وأن الصمت كثيراً ما يُفسر اعترافاً بالخطأ. وقد نضج القطاع ليعتمد المحاكاة، وبروتوكولات الاستجابة السريعة، والتخطيط للسيناريوهات بوصفها ممارسات قياسية.

 

الغاية وبناء العلامات الوطنية

من أبرز التحولات أيضاً صعود الاتصال المرتكز على الغاية. فالجمهور خصوصاً جيل الشباب يتوقع من العلامات التجارية أن تتبنى مواقف تتجاوز تحقيق الربح.

ويبرز ذلك بشكل خاص في الخليج، حيث تعمل الحكومات على بناء علامات وطنية تعكس طموحاتها بوصفها مراكز للابتكار والثقافة والاستدامة.

ويلعب محترفو الاتصال دوراً محورياً في صياغة هذه السرديات الوطنية، من مهمة الإمارات إلى المريخ، إلى مشاريع السعودية العملاقة، وصولاً إلى كأس العالم في قطر. لم تعد العلاقات العامة مجرد رواية قصص؛ بل بناء منظومات سردية قادرة على تشكيل الانطباع العالمي.

تحدّي المواهب

ورغم النمو المتسارع، لا يزال القطاع يواجه نقصاً في المواهب المحلية ذات الخبرة. وتعتمد العديد من المؤسسات بشكل مفرط على الوكالات الدولية التي قد تفتقر أحياناً لفهم عميق لخصوصيات الثقافة الخليجية.

لذا، فإن تطوير القدرات المحلية عبر التدريب والتوجيه والبرامج الأكاديمية أمر أساسي لضمان استدامة القطاع.

المستقبل: تكنولوجيا أكثر، وثقة أكبر

السنوات المقبلة ستشهد مزيداً من التكامل بين الاتصال والتقنيات المتقدمة مثل الذكاء الاصطناعي والواقعين المعزّز والافتراضي.

لكن التكنولوجيا وحدها لن تقود النجاح، بل الثقة. فالمنظمات التي تجمع بين الأدوات المتطورة والسرديات الأصيلة والشفافة والمتمحورة حول الإنسان ستكون الأكثر قدرة على المنافسة والتميز.

في الختام، انتقل الاتصال في دول مجلس التعاون من الهامش إلى قلب الاستراتيجية. وعلى العاملين في هذا المجال مواصلة تطوير مهاراتهم، وقياس ما يهم فعلاً، والالتزام بأعلى المعايير الأخلاقية في حماية سمعة المؤسسات التي يمثلونها.

📎 رابط مختصر للمقال: https://almanara.media/?p=32073
شارك هذه المقالة