لماذا تُعدّ الكنيسة الكاثوليكية أقوى مؤسسة في العالم من ناحية التأثير الإعلامي؟.. بقلم د حبيب باشا

حبيب باشا

المنارة/ متابعات

عندما يزور البابا أي دولة في العالم، يتحوّل الحدث فورًا إلى عنوان نشرات الأخبار في القارات الخمس. فدولٌ لا تتجاوز فيها نسبة الكاثوليك 1%، تستنفر إعلامها وقياداتها السياسية لمواكبة الزيارة، ويخرج آلاف المواطنين من مختلف الأديان والمذاهب والاتجاهات السياسية لاستقباله.

هذا المشهد يتكرر أينما ذهب البابا: في الفلبين، والإمارات، والعراق، والبرازيل، وكندا، وتركيا، ولبنان وحتى الدول ذات الحساسية الدينية أو السياسية العالية.
هذه الظاهرة لا تعكس فقط احترامًا دينياً، بل تفضح حقيقة أكبر:

الكنيسة الكاثوليكية تمتلك واحدة من أقوى أدوات التأثير الإعلامي والعلامة المؤسسية في التاريخ الحديث.

الإرث التاريخي والمكانة الرمزية

على مدى ألفي عام، لم تكن الكنيسة مجرد مؤسسة دينية، بل لاعبًا ثقافيًا وسياسيًا وفكريًا في تشكيل الحضارة الغربية. لديها تراكم تاريخي جعل كلمة “البابا” بحد ذاتها علامة عالمية لا تحتاج تفسيرًا.

وعندما تقترن هذه الرمزية بالشخصية الإنسانية للبابا المعاصر، خطابات سلام، ومواقف اجتماعية، ورسائل تضامن، يتحول الحدث إلى قصة جاهزة للانتشار الإعلامي.

مؤسسة تمتلك لغة إعلامية عالمية

لقد طوّرت الكنيسة، عبر عقود طويلة، آلة اتصال متقنة:
خطاب موجّه للإنسان قبل المؤمن.
لغة تتجنب الاستقطاب المباشر.
حضور دبلوماسي في 183 دولة.
إنتاج إعلامي منظم عبر الفاتيكان، إضافة لشبكات كاثوليكية عالمية.
والأهم:
رسائلها معدّة بطريقة تجعلها صالحة للنشر، قصيرة وواضحة وقابلة للاقتباس.

البابا: الشخصية الوحيدة التي تجمع الأديان في مساحة واحدة
لا توجد شخصية دينية أو سياسية أخرى يمكنها أن تجمع في استقبالها:
المسيحي والمسلم واليهودي واللاديني،
اليساري واليميني،
المواطن العادي ورئيس الدولة.
هذا مشهد نادر في عالم اليوم المليء بالاستقطاب، وهو بحد ذاته مادة إعلامية لا تُقاوم.

الحدث نفسه مُصمّم ليكون عالميًا

زيارة البابا ليست زيارة بروتوكولية جافة، إنها مسرحية رمزية مكتملة:
لقاءات مع القادة.
طقوس دينية ضخمة.
رسائل سلام ومصالحة.
صور إنسانية: طفل يُرفع، فقير يُصافح، لاجئ يُحتضن.
كل لقطة منها “قابلة للانتشار السريع” في وسائل الإعلام ومواقع التواصل.

الإعلام العالمي يبحث عن “قصة إيجابية”

في عالم تغزوه أخبار الحروب والأزمات، ظهور شخصية بحجم البابا تحمل خطابًا إنسانيًا يجعل الإعلام يلتقط الرسالة فورًا.
فوسائل الإعلام دائمًا تبحث عن قصص رمزية، عن مشاهد تمنح الجمهور شعورًا بالأمل، وهذا بالضبط ما تقدمه الكنيسة الكاثوليكية للجماهير.

المقارنة ليست مع الأديان الأخرى، بل مع الدول الكبرى
قوة التسويق هنا ليست دينية بقدر ما هي قوة العلامة التجارية.

فاسم “البابا” اليوم أقوى من اسم كثير من الدول، ومن نفوذ حكومات تملك جيوشًا وأموالًا. إنه نفوذ معنوي، مستقر، غير مرتبط بانتخابات أو قيود اقتصادية أو تحالفات سياسية.

إن قوة الكنيسة ليست لأنها أفضل أو أقوى من ديانات أو شعوب أخرى، بل لأنها طوّرت عبر قرون صيغة تأثير عالمي فريدة:
رمز ديني واحد.
خطاب وحدوي.
مظهر متواضع.
شبكة تنظيمية كونية.
استثمار ذكي في الصورة والرمز والاحتفال.

في النهاية، البابا ظاهرة إعلامية قبل أن يكون زعيمًا دينيًا، وهنا تكمن الحقيقة الكبرى:
زيارة البابا لأي دولة تتحوّل إلى حدث عالمي ليس بسبب عدد الكاثوليك، بل بسبب ما تمثله شخصية البابا في الثقافة الإنسانية المعاصرة:

صوت السلام، صوت الضعفاء، صوت الذي لا ينتمي لكتلة سياسية متصارعة.
وهذه “المظلّة الأخلاقية” تمنحه نوعًا من الشرعية الإعلامية لا يستطيع أحد منافستها.

 

المقالات المنشورة على موقع المنارة تعبر عن رأي الكاتب فقط ولا يتبناها الموقع أو القائمين عليه

📎 رابط مختصر للمقال: https://almanara.media/?p=30403
تم وضع علامة:
شارك هذه المقالة