المنارة / الرباط
لم يكن تكريم الناقدة الفنية الإيطالية طوني ماريني ضمن فعاليات الدورة الحالية من مهرجان أصيلة الثقافي في المغرب مجرد احتفاء باسم بارز في تاريخ النقد الفني، بل جاء بمثابة رسالة عرفان وامتنان لمسيرة استثنائية كرّست خلالها حياتها لاكتشاف الفن المغربي وتوثيق خصوصيته الإبداعية، حتى استحقت لقب «حارسة الفن المغربي».
وعلى مدار عقود، لم تكتفِ ماريني بدراسة الفنون المحلية من منظور أكاديمي.
بل خاضت رحلة ميدانية واسعة للتعرّف على الفنانين والحرفيين، وجمع الشواهد البصرية التي تحفظ ذاكرة الإبداع المغربي.
وتسهم في تقديمه إلى العالم بصورة أكثر إنصافًا وعمقًا.
من طوكيو إلى المغرب.. رحلة بدأت بشغف الفن
وُلدت طوني ماريني، واسمها الأصلي أنطوانيتا ماريني، في العاصمة اليابانية طوكيو عام 1941.
ونشأت في عائلة ارتبطت بالثقافة والفكر؛ فوالدها عالم الأنثروبولوجيا والكاتب الإيطالي الشهير فوسكو ماريني، وشقيقتها الروائية البارزة داشيا ماريني.
وفي شبابها، انتقلت إلى المغرب، حيث بدأت رحلة طويلة مع الفنون التشكيلية والثقافة المحلية.
وتزوجت لاحقًا الفنان التشكيلي المغربي الراحل محمد المليحي، أحد أبرز رواد الحداثة الفنية في المغرب.
ومع مرور الوقت، تحوّل اهتمامها بالفن المغربي إلى مشروع بحثي وثقافي متكامل، هدفه دراسة التجارب الإبداعية المحلية، وتوثيقها، وإبراز قيمتها الجمالية والحضارية أمام جمهور أوسع.
جولات ميدانية لسد فجوة التوثيق
عندما بدأت ماريني العمل في مجال البحث الفني بالمغرب، فوجئت بندرة المراجع المتخصصة التي توثق الفنون البصرية المحلية.
وهو ما دفعها إلى خوض جولات ميدانية في مختلف أنحاء المملكة، بحثًا عن الفنانين وأصحاب التجارب الإبداعية، ولا سيما ممارسي ما يُعرف بـ«الفن التلقائي».
ومن خلال لقاءاتها المباشرة مع المبدعين، سعت إلى تسجيل تجاربهم واكتشاف جماليات أعمالهم.
كما بعيدًا عن الأحكام المسبقة والتصنيفات التي همّشت قطاعات من الفنون المحلية.
ولم يكن هدفها مجرد جمع المعلومات، بل بناء ذاكرة بصرية ومعرفية تساعد الأجيال الجديدة على فهم تطور الفن المغربي، وتمنح الباحثين والمهتمين مادة علمية يمكن الرجوع إليها.
رائدة تدريس تاريخ الفن الحديث في المغرب
امتدت جهود طوني ماريني إلى المجال الأكاديمي؛ إذ أسست عام 1964 أول برنامج أكاديمي علمي لتدريس تاريخ الفن الحديث في المغرب.
في خطوة أسهمت في ترسيخ دراسة الفنون ضمن إطار منهجي أكثر تنظيمًا.
كما أنشأت مكتبة مصوّرة تضم شرائح بصرية تعليمية استندت إلى نتائج جولاتها الميدانية، لتوفير مصادر مرئية.
فيما تساعد الطلاب على دراسة الأعمال الفنية والتعرّف إلى تجارب الفنانين المغاربة.
وفي ظل محدودية المراجع المتاحة آنذاك، لجأت إلى إعداد مذكرات تعليمية مكتوبة بالآلة الكاتبة وتوزيعها على الطلاب.
في محاولة لتجاوز نقص الكتب والمصادر المتخصصة، وتوفير أدوات معرفية تتيح لهم دراسة الفن المحلي بصورة أعمق.
وتكشف هذه المبادرات عن إيمانها بأن بناء الحركة الفنية لا يعتمد على الإبداع وحده.
بل يحتاج أيضًا إلى البحث والتوثيق والتعليم، حتى تنتقل المعرفة الفنية من جيل إلى آخر.
مهرجان أصيلة.. شراكة صنعت أثرًا ثقافيًا
ارتبط اسم طوني ماريني بمدينة أصيلة ارتباطًا وثيقًا، إذ شاركت في تأسيس المنتدى والموسم الثقافي للمدينة عام 1978.
ضمن مشروع ثقافي سعى إلى جعل الفن وسيلة للحوار والتواصل والانفتاح على التجارب المختلفة.
ولم يقتصر دورها على المشاركة في التأسيس، بل امتد إلى الإشراف على ورش فنية.
كما استهدفت أطفال المدينة وشبابها، في تجربة منحت الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف قدراتها الإبداعية والتفاعل مع الفنون بصورة عملية.
ومن هنا، لم يكن تكريمها في مهرجان أصيلة مجرد استعادة لاسم من أسماء الماضي، بل احتفاء بإحدى الشخصيات التي أسهمت في تشكيل ملامح التجربة الثقافية للمدينة، وربطت بين البحث الفني والعمل الميداني والتربية الإبداعية.
مواجهة النظرة الاستشراقية إلى الفن المغربي
في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، عملت ماريني على مواجهة الصور النمطية والأحكام غير المنصفة التي تبناها بعض الباحثين الأوروبيين في تناولهم للفنون المغربية.
وسعت إلى التأكيد أن هذه الفنون ليست مجرد تعبيرات شعبية أو زخارف تقليدية.
بل نتاج تجارب إبداعية تحمل عمقًا تاريخيًا وثقافيًا وجماليات تستحق الدراسة الجادة.
ومن خلال مؤلفاتها ومقالاتها وأبحاثها، دافعت عن خصوصية التجربة المغربية.
وسعت إلى تقديمها في سياقها الحضاري، بما يساعد على تجاوز النظرات الاختزالية التي قد تتجاهل تنوعها أو تقلل من قيمتها الفنية.
وبذلك، لم يكن عملها مجرد توثيق للأعمال والفنانين، بل محاولة لإعادة الاعتبار إلى الفن المغربي.
وتعزيز حضوره في النقاشات الفنية والأكاديمية خارج حدود المملكة.
من التشكيل إلى الحرف التقليدية.. توثيق الجمال المنسي
لم تحصر طوني ماريني اهتمامها في الفنون التشكيلية الحديثة، بل امتد بحثها إلى الحرف التقليدية، ومنها النسيج والعمارة الفطرية.
حيث سعت إلى الكشف عن القيم الجمالية الكامنة في هذه الممارسات، وإبراز ما تحمله من معرفة متوارثة وخصوصية ثقافية.
ومن خلال هذا التوجه، ساعدت في توسيع مفهوم الفن ليشمل أشكالًا من الإبداع اليومي التي قد لا تحظى دائمًا بالاهتمام نفسه الذي تحظى به الأعمال المعروضة في المتاحف وصالات العرض.
كما عملت على إعادة تقديم هذه الفنون إلى المجتمع المغربي نفسه، إلى جانب تعريف الجمهور العالمي بها.
لتؤكد أن التراث ليس مجرد بقايا من الماضي، بل مساحة حية للإبداع والتجديد.
تكريم يتجاوز الاحتفاء بشخصية استثنائية
يمثل تكريم طوني ماريني في مهرجان أصيلة مناسبة لاستعادة مسيرة باحثة لم تتعامل مع الفن المغربي بوصفه موضوعًا للدراسة من بعيد.
بل باعتباره تجربة إنسانية وحضارية تستحق الاقتراب منها وتوثيقها والدفاع عنها.
وبين تأسيس البرامج الأكاديمية، وجمع المواد البصرية، والبحث الميداني، والعمل مع الأجيال الجديدة.
فيما أسهمت ماريني في بناء جسور بين الفنانين المغاربة ومؤسسات المعرفة والجمهور العالمي.
وهكذا، يكتسب لقب «حارسة الفن المغربي» معناه من مسيرة طويلة لم تقتصر على حفظ الأعمال من النسيان.
بل سعت أيضًا إلى حماية قيمتها الرمزية، وإنصاف أصحابها، وإبراز مكانة الفن المغربي ضمن المشهد الثقافي العالمي.







