الإدمان… بين متعة البداية وسجن النهاية.. بقلم/الكاتبة الدكتورة مريم بدران

لا أحد يولد مدمنًا، ولا أحد يستيقظ صباحًا وهو يتمنى أن يخسر عقله وصحته ومستقبله. خلف كل قصة إدمان إنسان كان يحاول الهروب من ألم لم يجد له علاجًا، أو من واقع أثقل روحه حتى لم يعد قادرًا على احتماله. كثيرون لا يبحثون عن المخدر حبًا فيه، بل يبحثون عن لحظة يهدأ فيها العقل، ويصمت فيها القلق، وتختفي فيها الذكريات المؤلمة، ولو لساعات قليلة.
قد يكون المدمن مراهقًا يبحث عن القبول بين أصدقائه، أو فتاة حطمها التنمر، أو شابًا نشأ في منزل لا يعرف سوى الصراخ والعنف. قد يكون طفلًا رأى والده يعتدي على أمه، أو عاش مع أب مدمن، أو كبر في حي تنتشر فيه الجريمة والمخدرات حتى أصبحت جزءًا من المشهد اليومي. وقد يكون إنسانًا يعاني الاكتئاب، أو القلق، أو اضطراب ما بعد الصدمة، أو فقد شخصًا عزيزًا، أو يعيش الفقر والبطالة والإحباط، فلم يجد من يستمع إليه أو يساعده.
وفي زمن الإنترنت، أصبح الطريق إلى المخدرات أقصر من أي وقت مضى. هناك من يستغل ضعف الشباب عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أو المجموعات المغلقة، أو الرسائل الخاصة، أو الإعلانات المموهة، ويقنعهم بأن المخدرات وسيلة للاسترخاء، أو للهروب من الضغوط، أو لزيادة الثقة بالنفس، أو لتحسين المزاج.

يبدأ الأمر بكلمة: “جرب مرة واحدة”، لكن كثيرًا من قصص الإدمان بدأت بهذه الجملة. في البداية تبدو التجربة جميلة. يشعر الشخص بنشوة غريبة، أو راحة لم يعشها منذ سنوات، أو ثقة زائدة، أو طاقة غير مألوفة، أو هدوء مؤقت. يظن أنه وجد الحل الذي كان يبحث عنه طوال حياته، ويعتقد أن بإمكانه التوقف متى شاء. لكنه لا يدرك أن المخدر لم يحل المشكلة، بل أخفاها مؤقتًا، بينما بدأ في الوقت نفسه بتغيير طريقة عمل الدماغ.
من الناحية الطبية، تؤثر معظم المواد المخدرة في نظام المكافأة داخل الدماغ، فتدفعه إلى إفراز كميات غير طبيعية من النواقل العصبية، وعلى رأسها الدوبامين، وهو المسؤول عن الشعور بالمتعة والمكافأة. ومع تكرار التعاطي، يعتاد الدماغ هذه المستويات المرتفعة، فيقل إنتاجه الطبيعي لهذه المواد، ويصبح الإنسان غير قادر على الشعور بالسعادة أو الراحة دون المخدر. وهنا يتحول التعاطي من تجربة عابرة إلى حاجة، ثم إلى اعتماد نفسي وجسدي، ثم إلى إدمان.

الإدمان لا يحدث فجأة، بل يتسلل ببطء. في البداية يسرق ساعات، ثم أيامًا، ثم سنوات من العمر. يسرق التركيز، والطموح، والثقة بالنفس، والعلاقات، والعمل، والدراسة، والصحة. يبدأ الإنسان بفقدان الأشياء الصغيرة، ثم يكتشف أنه فقد نفسه أيضًا.
مع مرور الوقت، لا يعود المدمن يتعاطى ليشعر بالسعادة، بل يتعاطى حتى يتجنب الألم الناتج عن غياب المخدر. تصبح الجرعة ضرورة لا متعة، ويصبح العقل أسيرًا لمادة تتحكم في كل قرار وكل شعور. وهنا تبدأ مرحلة السجن الحقيقي ، سجن لا جدران له، لكنه يقيد الجسد والعقل والإرادة.

الإدمان ليس مجرد عادة سيئة، بل مرض مزمن يصيب الدماغ، ويؤثر في التفكير والسلوك والقدرة على اتخاذ القرار. وقد يؤدي إلى اضطرابات في الذاكرة والانتباه والتركيز، وضعف القدرة على التعلم، وتقلبات حادة في المزاج، ونوبات قلق، واكتئاب شديد، واضطرابات النوم، والعزلة الاجتماعية، وفقدان السيطرة على الانفعالات. كما قد تظهر لدى بعض الأشخاص هلاوس أو ضلالات أو نوبات ذهانية، خاصة مع بعض أنواع المخدرات أو عند وجود استعداد وراثي أو اضطرابات نفسية سابقة.

ولا يتوقف الضرر عند الدماغ. فكل مادة مخدرة تترك آثارًا مختلفة في أعضاء الجسم. فقد يتضرر القلب بارتفاع الضغط واضطراب النبض أو الجلطات، ويتعرض الكبد للتليف والفشل، وتتأثر الرئتان بالالتهابات المزمنة وضعف وظائف التنفس، وقد تتضرر الكليتان، ويضعف الجهاز المناعي، ويختل التوازن الهرموني، ويصاب الجسم بسوء التغذية والإرهاق المزمن.

متلا : الكوكايين (الزق) يرفع مستوى الدوبامين بصورة حادة، ويزيد من سرعة ضربات القلب وضغط الدم، ويرفع خطر الإصابة بالجلطات القلبية والدماغية، كما قد يسبب نوبات هلع، وبارانويا، واعتمادًا نفسيًا شديدًا.

– الحشيش قد يضعف الذاكرة والانتباه وسرعة اتخاذ القرار، وقد يؤدي الاستخدام المتكرر إلى زيادة احتمال الإصابة بالقلق أو الذهان لدى بعض الأشخاص، خاصة من لديهم استعداد وراثي.

– الإكستازي (MDMA) يرفع السيروتونين بصورة كبيرة ثم يؤدي إلى انخفاضه بعد انتهاء تأثيره، لذلك قد يعقب التعاطي اكتئاب شديد واضطرابات في المزاج، كما قد يسبب ارتفاعًا خطيرًا في حرارة الجسم، والجفاف، واضطراب نبض القلب، وقد يهدد الحياة في بعض الحالات.

– المهدئات التي تُستعمل دون إشراف طبي قد تسبب النعاس الشديد، وضعف الوعي، وتثبيط التنفس، ويزداد خطرها عند خلطها بالكحول أو مواد مخدرة أخرى.

– النيكوتين، سواء في السجائر أو السجائر الإلكترونية، يسبب اعتمادًا قويًا، ويزيد خطر أمراض القلب، والجلطات، وسرطان الرئة، كما يؤثر في نمو الدماغ لدى المراهقين.

أما الكحول، فرغم شيوع استهلاكه في بعض المجتمعات، فإنه يضعف الحكم على الأمور، ويبطئ ردود الفعل، ويزيد خطر الحوادث والعنف والاكتئاب، كما يسبب أضرارًا خطيرة للكبد والقلب والدماغ عند الإفراط في تناوله.
والشيشة ليست بديلًا آمنًا للسجائر كما يعتقد البعض، بل قد يتعرض مستخدمها خلال جلسة واحدة لكمية كبيرة من الدخان والمواد السامة، مما يزيد خطر أمراض الرئة والقلب وبعض أنواع السرطان.

وعلى الرغم من اختلاف المواد المخدرة في تركيبها وآليات تأثيرها، فإنها جميعًا تؤثر في وظائف الجهاز العصبي المركزي عبر تعديل نشاط النواقل العصبية، مثل الدوبامين والسيروتونين وGABA والغلوتامات. ويؤدي التعاطي المتكرر إلى تغيرات تكيفية في دوائر الدماغ المسؤولة عن المكافأة والتحفيز وضبط السلوك، مما يزيد خطر الإصابة باضطراب تعاطي المواد (الإدمان). كما قد تصاحب ذلك اضطرابات معرفية ونفسية وسلوكية، تختلف شدتها باختلاف نوع المادة ومدة التعاطي والعوامل الفردية.

وراء هذه السموم تجارة لا تعرف الرحمة. بالنسبة لتجار المخدرات، الإنسان ليس أكثر من زبون دائم، وكلما ازداد إدمانه ازداد ربحهم. إنهم لا يبيعون مواد فقط، بل يبيعون الوهم، ويشترون أعمار الناس وصحتهم ومستقبلهم. آلاف الأسر تفقد أبناءها، وآلاف الأطفال يكبرون وهم محرومون من آبائهم وأمهاتهم بسبب الإدمان، بينما يستمر تجار السموم في جمع الأموال على حساب الألم الإنساني. ومع ذلك، لا يمكن تحميل تجار المخدرات المسؤولية كاملة؛ ففي كثير من الحالات يكون قرار التجربة الأول قرارًا شخصيًا، مهما كانت الدوافع أو الإغراءات. فالاعتراف بالمسؤولية عن هذا القرار ليس إدانة للنفس، بل هو الخطوة الأولى نحو تصحيح المسار والتعافي.
لكن رغم كل هذا، يبقى الأمل موجودًا.
إذا كنت قد جربت مادة مخدرة، فهذا لا يعني أن حياتك انتهت. وإذا كنت تعاني الإدمان، فهذا لا يعني أنك فقدت قيمتك أو أنك عاجز عن التغيير. الإدمان مرض يمكن علاجه، وكلما كان طلب المساعدة مبكرًا، كانت فرص التعافي أفضل. العلاج الطبي، والدعم النفسي، والأسري، وإعادة التأهيل، كلها وسائل تعيد للإنسان حياته وكرامته ومستقبله. وإذا لم تجد من يساندك من الأسرة، فقد تجد الدعم في صديق صادق أو معالج أو مجموعة دعم. وحتى في رعاية حيوان أليف يمنحك شعورًا بالرفقة والمسؤولية. وحتى إن شعرت أنك وحيد، فلا تجعل الوحدة سببًا للاستسلام اجعلها بداية قرار تتخذه مع نفسك. ليكن أول أهدافك أن تنقذ نفسك من الإدمان، ثم تستعيد صحتك، وعقلك، وقدرتك على التفكير السليم، ثم تعود تدريجيًا إلى الدراسة أو العمل وبناء حياتك من جديد. فالتعافي لا يحدث في يوم واحد، لكنه يبدأ بقرار صادق يتبعه عمل مستمر، مهما كانت البداية بسيطة.

في النهاية، تذكر أن المخدرات لا تهزم الإنسان في لحظة واحدة، بل تتسلل إلى حياته بصمت، فتأخذ منه شيئًا بعد شيء : صحته، ووعيه، وقراراته، وعلاقاته، وأحلامه، حتى قد يصل إلى مرحلة لا يتعرف فيها على الشخص الذي أصبح عليه. لا تجعل لحظة هروب مؤقتة تسرق منك سنوات عمرك، ولا تسمح لمادة عابرة أن تتحكم في مستقبل كامل. فالحياة، رغم ألمها وصعوباتها، تبقى أكبر من أي إدمان، وأقوى من أي سقوط. وقد تكون أصعب خطوة هي البداية، لكنها الخطوة التي تعيد لك نفسك. فالحياة أجمل من أن تُعاش خلف قضبان سجن صنعته جرعة، أو حبة، أو حقنة، أو وهم اسمه المخدرات.

📎 رابط مختصر للمقال: https://almanara.media/?p=69020
شارك هذه المقالة