المنارة/دبي
تطورت تقنيات الذكاء الاصطناعي من كونها مجرد تقنية تجريبية لتصبح بنية تحتية بالغة الأهمية في دولة الإمارات العربية المتحدة. وباتت المؤسسات تعتمد على نماذج الذكاء الاصطناعي في مجموعة واسعة من الاستخدامات، بداية من التشخيص الطبي وخدمة العملاء، وصولاً إلى تحسين سلاسل التوريد والنمذجة المالية.
ومع ذلك، لا تزال العديد من الشركات تغفل ثغرة جوهرية تتمثل في غياب استراتيجيات شاملة لضمان استدامة البيانات، الأمر الذي يجعل استثماراتها في الذكاء الاصطناعي عرضة للهشاشة وتراجع الفاعلية.
ومع اقتراب “اليوم العالمي للنسخ الاحتياطي” في 31 مارس، تتضح الرسالة بأن “نجاح الذكاء الاصطناعي يرتبط بالحفاظ على البيانات الحالية”. وبدون النسخ الاحتياطية، فإن المؤسسات تعرض نفسها لمخاطر جسيمة.
بيانات التدريب: أساس الميزة التنافسية المستقبلية
تعد البيانات عالية الجودة عنصر أساسي لضمان دقة نماذج الذكاء الاصطناعي وكفاءتها، إذ تمكنها من التعلم والتكيّف والحفاظ على ملاءمتها. ومع ذلك، العديد من هذه النماذج لا تبقى ثابتة، بل تخضع لعمليات تطوير مستمرة تشمل إعادة التدريب والتحسين. وتسهم تقنيات مثل “التوليد المعزّز بالاسترجاع” (RAG) في رفع مستوى الدقة والحد من الأخطاء، إلا أن تحسين أداء النماذج بفعالية لا يقتصر على الاعتماد على بيانات حديثة فحسب، بل يتطلب أيضاً الوصول إلى خطوط أساس تاريخية تتيح قياس الأداء وتتبّع تطوره.
لنفترض وجود نظام لاكتشاف الاحتيال. مع ظهور أنماط احتيال جديدة، يتعين إعادة تدريب النماذج للتعرف عليها، إلا أن غياب خطوط الأساس التاريخية قد يؤدي إلى تراجع غير ملحوظ في قدرتها على كشف الأنماط القائمة بالفعل. ومن هنا، لا تُعدّ بيانات عام 2025 مجرد أرشيف، بل تمثل قاعدة يُبنى عليها تطوير الأداء في المستقبل. ينطبق هذا المنطق على مختلف القطاعات، فالشركات التي تتعامل مع بياناتها التاريخية باعتبارها قابلة للاستغناء قد تجد صعوبة في مواكبة منافسين ينظرون إليها كأصل استراتيجي عالي القيمة ويحرصون على حمايته والاستفادة منه.
حفظ البيانات في صميم الامتثال والمساءلة في أنظمة الذكاء الاصطناعي
تركز دولة الإمارات على سيادة البيانات وتعزيز متطلبات المساءلة على مستوى المؤسسات. وفي هذا السياق، تشترط العديد من الأطر التنظيمية أن تكون أنظمة الذكاء الاصطناعي قابلة للتفسير وإعادة الإنتاج والتدقيق، ما يستدعي من المؤسسات الاحتفاظ بالبيانات المستخدمة في إدخال النماذج واختبارها والتحقق منها، إلى جانب حفظ إصداراتها على مر الزمن لإعادة بناء مسار اتخاذ القرار. وعليه، لم يعد الاحتفاظ طويل الأمد بالبيانات الموثوقة مسألة امتثال فحسب، بل أصبح ضرورة بنيوية أساسية ضمن منظومة الذكاء الاصطناعي.
وفي غياب استراتيجية شاملة للنسخ الاحتياطي، تصبح الإجابة عن هذه المتطلبات أكثر تعقيداً، ما قد يضطر المؤسسات إلى تعليق أنظمة الذكاء الاصطناعي أو حتى إيقافها، مع ما يترتب على ذلك من اضطراب في العمليات وتراجع في القيمة المتحققة من هذه الأعمال.
الحفاظ على دقة نماذج الذكاء الاصطناعي في ظل تغيّر البيانات
يعد “انجراف النماذج”، الذي يشير إلى التراجع التدريجي في أداء أنظمة الذكاء الاصطناعي نتيجة تباعد بيانات الواقع عن بيانات التدريب، من أبرز التحديات التي تواجه العديد من الأنظمة العاملة. ويعتمد اكتشاف هذا الانجراف ومعالجته على إتاحة بيانات تاريخية يتم استخدامها للمقارنة وإعادة التدريب.
ومع غياب نسخ احتياطية شاملة للبيانات التاريخية، تواجه المؤسسات صعوبة كبيرة في إدارة تراجع أداء النماذج بفعالية، ما يضعها أمام خيارين أحلاهما مُرّ: إما القبول بتدهور الأداء، أو إعادة بناء النماذج من البداية، وكلاهما غير ملائم في أسواق تنافسية.
حوكمة النماذج وتدقيقها واستعادتها
تشكل النسخ الاحتياطية للبيانات ركيزة أساسية لحوكمة أنظمة الذكاء الاصطناعي. وفيما يلي ثلاثة سيناريوهات توضح أهمية حفظ البيانات:
معالجة التحيّز: عند اكتشاف تحيز ديموغرافي في نموذج للموارد البشرية، تتطلب المعالجة إعادة تدريب النموذج باستخدام بيانات مُصححة، مع ضرورة الاحتفاظ ببيانات التدريب الأصلية لإثبات مكوناتها. ويعد توفر كلتا المجموعتين أمراً أساسياً.
استرجاع النموذج: في حال تسبب تحديث أحد نماذج الذكاء الاصطناعي في قطاع التصنيع بظهور أخطاء، فإن استعادة الإصدار السابق تستلزم إعادة البيئة البيانية نفسها التي بني عليها النموذج في الأصل.
تفسير قرارات النماذج: يتطلب توضيح أسباب رفض نموذج الموافقة على القروض لطلبات معينة الوصول إلى بيانات التدريب التي شكلت فهم النموذج للأنماط المؤثرة في اتخاذ القرار.
في نهاية المطاف، لا يُمكن للمؤسسات إثبات تسلسل البيانات دون حفظها.
البنية التحتية الداعمة لمرونة أنظمة الذكاء الاصطناعي
يجب أن تدعم حلول النسخ الاحتياطي لبيانات الذكاء الاصطناعي ما يلي:
ضبط البيانات عبر دورات التدريب: حفظ النسخ الدقيقة لكل مجموعة بيانات لكل دورة تدريب
ثبات البيانات لإعادة النتائج: الحفاظ على بيانات التدريب دون تغيير بما يضمن إمكانية إعادة الإنتاج
نمو البيانات: إدارة أحجام بيانات تمتد من تيرابايت إلى بيتابايت
الوصول إلى البيانات: إتاحة الوصول السريع لعلماء البيانات لإجراء التجارب
كما يتعين على المؤسسات التي تسعى لتحقيق الجاهزية في مجال الذكاء الاصطناعي اعتماد استراتيجيات تخزين متدرجة تشمل: تخزين نشط لبيانات التطوير الجارية، وتخزين متوسط للأرشيفات الحديثة، وتخزين طويل الأمد للبيانات التاريخية. ويكمن الهدف في تحقيق توازن مدروس بين التكلفة وسرعة الوصول ومتطلبات الامتثال.
حماية بيانات اليوم لتعزيز القدرة التنافسية غداً
المؤسسات التي تتقدم في مجال الذكاء الاصطناعي ليست بالضرورة تلك التي تمتلك أفضل النماذج فحسب، بل تلك التي أدركت مبكرًا أهمية حماية بياناتها. وقد تكمن الميزة التنافسية في المرحلة المقبلة في البيانات الخاصة التي تُجمع اليوم، ويبقى التحدي في مدى الحفاظ عليها.
ويعد اليوم العالمي للنسخ الاحتياطي مناسبة مهمة للتذكير بأن المرونة والامتثال والجاهزية المستقبلية تبدأ بقرار واحد يتمثل في حماية البيانات منذ الآن. وبالنسبة للمؤسسات التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي في دولة الإمارات، تزداد أهمية هذا التوجه أكثر من أي وقت مضى.
أويس محمد
المدير الإقليمي لإدارة المبيعات في ويسترن ديجيتال الشرق الأوسط وأفريقيا وتركيا وشبه القارة الهندية







