الذكاء الاصطناعي .. نعمة في يد العاقل ونقمة في يد الجاهل

بقلم – د. وليد السعدي

في زمنٍ لم يكن فيه العقل البشري يتصور أن تجلس آلةٌ صماء لتكتب قصيدةً في الغزل، أو تُحلل نصاً أدبياً، أو تصوغ بحثاً علمياً بلغةٍ سليمة ومنهجية رصينة – في هذا الزمن بالذات وجدنا أنفسنا أمام منعطفٍ حضاري خطير، تتشابك فيه النعمة والنقمة، ويتقاطع فيه الإبداع مع الزيف، والمعرفة مع الادعاء. لقد أطلّ علينا الذكاء الاصطناعي من نافذة المستقبل قبل أن نُهيّئ له الأُطر والضوابط، فدخل بيوتنا وعقولنا ومؤسساتنا، وجلس على مقاعد الكتّاب والشعراء والصحفيين والعلماء، دون أن يُسأل: من أرسلك؟ ومن يقف وراءك؟

ليس من الإنصاف أن ننظر إلى الذكاء الاصطناعي بعين واحدة، فنرى فيه إما الخلاص المُبين أو الشيطان الرجيم. الحقيقة أعمق من ذلك وأكثر تعقيداً فعلى صعيد المنجزات، أسهم هذا الذكاء في تشخيص الأمراض النادرة، وتسريع البحث الدوائي، وفتح آفاق العلم أمام من كانت الحواجز اللغوية تحجبها عنهم. وفي ميادين الهندسة والتصميم والترجمة والتعليم، صار أداةً لا يمكن إنكار فضلها.

غير أن هذا الذكاء يمضي في طريقه بسرعةٍ تفوق قدرتنا على استيعابه، وبقدرةٍ تتجاوز طاقتنا على ضبطه. إنه يمضي نحو عالَمٍ يسأل فيه الإنسان: ما قيمة ما أعرف، إذا كان بإمكان الجميع معرفة كل شيء بضغطة زر؟ وما معنى الموهبة، إذا كان بمقدور أي كان أن يُنتج ما يبدو إبداعاً في ثوانٍ معدودة؟

من يحق له استخدام الذكاء الاصطناعي؟

هنا يكمن جوهر الإشكالية. وللإجابة الصادقة نقول: الذكاء الاصطناعي أداةٌ، كالمشرط في يد الجراح والفأس في يد الحطاب. لكن المشرط لا يُعطى لكل طالب ليجري عملية القلب المفتوح، والفأس لا تُمنح لمن يريد بها الإيذاء لا البناء. من حق كل إنسان أن يستخدم هذه الأداة – لكن بوعي، وبمسؤولية، وبحدٍّ فاصل بين الاستعانة والانتحال.

الاستعانة بالذكاء الاصطناعي مشروعةٌ حين يكون المرء واعياً بما يطلب، ومُلِمّاً بما يتلقى، قادراً على تقييمه ومراجعته وتصحيحه. أما حين يغدو الذكاء الاصطناعي بديلاً عن العقل لا امتداداً له، فهنا تبدأ الكارثة.

اما الجاهل الذي صار كاتباً بقدرة قادر فهي ظاهرةٌ باتت مألوفة لا تحتاج إلى دليل: يجلس شخصٌ لا يعرف من اللغة إلا التواصل اليومي البسيط، ومن السياسة إلا ما يُثار في المجالس، فيكتب في خانة البحث: “اكتب لي مقالاً سياسياً عن أزمة الشرق الأوسط”، وفي لحظةٍ تخرج عليه صفحاتٌ تزخر بالمصطلحات والتحليلات والاستشهادات. ثم يضع اسمه عليها وينشرها، وقد يُشار إليه بالبنان باعتباره مثقفاً أو محللاً.

ما المشكلة هنا بالضبط؟ المشكلة أن هذا الشخص لا يعرف إن كان ما كُتب صحيحاً أم خاطئاً، عادلاً أم منحازاً، خطيراً أم بريئاً. إنه يوقّع على ما لم يقرأه بعقله، ويتبنّى ما لم يفهمه بقلبه. وحين يسأله أحدهم: ما رأيك في حجتك الفلانية؟ يتلعثم ويتهرب، لأن الحجة ليست حجته أصلاً، والمقال ليس مقاله.

وتخيّل أن شخصاً طلب من الذكاء الاصطناعي أن يكتب له قصيدةً في مدح الوطن على البحر الطويل، ثم نشرها في ديوانٍ يحمل اسمه، وصفّق له الناس، ومُنح جائزة. غير أنه لو سُئل: ما هو بحر الطويل؟ ما تفعيلاته؟ لجاء جوابه فراغاً محرجاً. هذه ليست مبالغة، بل هي واقعٌ يتكرر في منصات التواصل الاجتماعي والصحف والمجلات.

والأمر ذاته ينطبق على النقد الأدبي؛ ذلك الفن الذي يحتاج إلى سنواتٍ من القراءة والتأمل والمعايشة مع النصوص، يكتبه اليوم من لم يقرأ في حياته كتاباً كاملاً. والبحث العلمي الذي يتطلب خلفيةً معرفية متينة ومنهجاً تجريبياً صارماً وأمانةً أكاديمية راسخة، يُقدمه من لا يُفرّق بين المشتري وكوكب الزهرة، ولا بين النظرية والفرضية في هذا السياق، الذكاء الاصطناعي لم يصنع الغشّاشين، لكنه أعطاهم سلاحاً لم يكن بأيديهم من قبل .

كيف نميّز بين الإبداع الحقيقي والإبداع المصطنع؟

الإبداع الحقيقي يحمل بصمة صاحبه كما تحمل الأصابع بصمتها، يفوح منه عرق التجربة الإنسانية وألم الكلمة التي تُبحث وتُرفض حتى تُوجد. الإبداع الحقيقي له سياقٌ حياتي، وخلفيةٌ معرفية، وصاحبٌ قادرٌ على الدفاع عنه وشرحه وتطويره.

أما الإبداع الاصطناعي، فمهما بلغ من الجودة التقنية، يظل ذا ملمسٍ أملس لا تخدشه تجربة، ولا تلوّنه مشاعر حقيقية، ولا تعبأ به ذاكرةٌ خاضت الحياة. يمكن التمييز بينهما حين يُسأل الكاتب: لماذا اخترت هذه الصورة الشعرية؟ لماذا بنيت حجتك هكذا؟ ما الذي دفعك لتبني هذا الموقف النقدي؟ فإن أجاب من أعماقه، فهو المبدع؛ وإن ارتجّ عليه الجواب، فقد كشف عن وجهه الحقيقي.

📎 رابط مختصر للمقال: https://almanara.media/?p=63649
شارك هذه المقالة