دمشق: فادي المطلق
أؤمن أن النجاح الحقيقي ليس فيما نحققه لأنفسنا، بل في عدد الأشخاص الذين نساعدهم على تحقيق أحلامهم
بين العمل التطوعي وريادة الأعمال، وبين دعم المرأة وتمكين أصحاب المشاريع الصغيرة، صنعت سيدة الأعمال رنا الطباع مساراً مختلفاً عنوانه الإيمان بالإنسان قبل أي شيء آخر. لم تنظر إلى النجاح باعتباره إنجازاً شخصياً، بل فرصة لخلق مساحات جديدة للآخرين كي يحققوا أحلامهم ويجدوا مكانهم في سوق العمل.
في هذا الحوار الخاص، تتحدث الطباع عن رحلتها، وتحدياتها، وأسباب تمسكها بدعم المرأة السورية، ورؤيتها لمستقبل المشاريع الصغيرة في مرحلة تحتاج فيها البلاد إلى كل فكرة منتجة وكل يدٍ مبدعة.

بدايةً… من هي رنا الطباع بعيداً عن المناصب والألقاب؟
أنا امرأة تؤمن بالعمل والعطاء. أحب الأعمال اليدوية والفنون منذ سنوات طويلة، وكانت بداياتي مع الرسم على الحرير وصناعة الورود والأعمال الحرفية. ومن خلال هذا الشغف ولدت لدي فكرة إنشاء مساحة تجمع السيدات المبدعات وتمنحهن فرصة لعرض منتجاتهن وإثبات قدراتهن، لأنني أؤمن أن وراء كل مشروع صغير حلماً يستحق أن يرى النور.
كيف بدأت رحلتك في عالم العمل المجتمعي وريادة الأعمال؟
البداية كانت من العمل التطوعي في الجمعيات الخيرية، حيث تعلمت أن خدمة الناس هي الاستثمار الأجمل والأكثر استدامة. بعدها انضممت إلى الهيئة العامة لجمعية أمل الغد لذوي الاحتياجات الخاصة، ثم أصبحت عضواً في مجلس إدارة جمعية جذور، وصولاً إلى عضويتي في لجنة سيدات الأعمال في غرفة تجارة ريف دمشق، إضافة إلى تأسيس وتنظيم بازار “ألوان سورية”، الذي أصبح منصة لدعم الإنتاج المحلي والمشاريع الصغيرة.

ما الفرق بين إدارة مشروع وصناعة اسم مؤثر في المجتمع؟
إدارة المشروع تعتمد على التخطيط والتنظيم وتحمل المسؤولية واتخاذ القرار، أما صناعة التأثير فتحتاج إلى شخصية قريبة من الناس وقادرة على كسب ثقتهم واحترامهم. التأثير الحقيقي لا يُفرض، بل يُبنى بالمصداقية والعمل المستمر. لذلك أعتبر أن النجاح يكتمل عندما يجتمع الإنجاز المهني مع الأثر الإنساني.
ما أصعب التحديات التي واجهتك خلال مسيرتك؟
من أصعب المراحل التي مررنا بها عام 2022 عندما توقفت المشاركات الخارجية في فعاليات دعم المشاريع الصغيرة. شكل ذلك تحدياً كبيراً، لأن هذه المشاركات كانت تضيف تنوعاً وحضوراً مميزاً للفعاليات. لكننا قررنا تحويل الأزمة إلى فرصة، فاعتمدنا على الطاقات والكفاءات المحلية، وكانت النتيجة نجاحاً لافتاً أثبت أن المنتج السوري قادر على المنافسة عندما تتوفر له الفرصة المناسبة.

هل النجاح يحتاج إلى الجرأة أم إلى التخطيط؟
النجاح يحتاج إلى مزيج متوازن من التخطيط والجرأة والذكاء الاجتماعي. التخطيط يرسم الطريق، والجرأة تمنح القدرة على اتخاذ الخطوة الأولى، أما الذكاء الاجتماعي فيساعد على بناء العلاقات والشراكات التي تفتح آفاقاً جديدة لأي مشروع.
برأيك ما أهم الصفات التي يجب أن يمتلكها رائد الأعمال؟
الثقة بالنفس، والقدرة على التطور المستمر، والصدق في التعامل، والإيمان بالفكرة مهما كانت التحديات. لكن الأهم من كل ذلك أن يبقى الإنسان محتفظاً بإنسانيته وأخلاقه، لأن النجاح الذي يخلو من القيم لا يدوم.

كيف تنظرين إلى دور المعارض والبازارات اليوم؟
أصبحت المعارض اليوم أكثر من مجرد مناسبات موسمية. إنها منصات حقيقية للتسويق وبناء العلاقات التجارية وتوسيع دائرة الانتشار. كما أنها تمنح أصحاب المشاريع فرصة للاحتكاك المباشر مع الجمهور والتعرف إلى احتياجات السوق بشكل واقعي.
عندما تتلقون طلباً لدعم مشروع جديد، ما المعايير التي تعتمدونها؟
نبدأ بالاستماع إلى صاحب المشروع وفهم فكرته وأهدافه، ثم نقوم بدراسة المشروع على أرض الواقع وتقييم جودة المنتج ومدى جاهزيته وقدرته على الاستمرار والتطور. نحن لا نبحث فقط عن منتج جيد، بل عن مشروع يمتلك مقومات النجاح والنمو.
لوحظ وجود تنوع كبير بين المشاركين في فعالياتكم، هل كان ذلك مقصوداً؟
بكل تأكيد. منذ البداية كان هدفي أن تعكس هذه الفعاليات صورة المجتمع السوري الحقيقي بكل تنوعه وغناه. نحن نؤمن أن الاختلاف مصدر قوة، وأن النجاح يصبح أجمل عندما يكون مساحة تجمع الجميع تحت راية المحبة والانتماء للوطن.

كيف تتعاملين مع النقد؟
أعتبر النقد الهادف فرصة للتعلم والتطوير. أتقبل كل رأي يُطرح باحترام ويهدف إلى تحسين العمل، لأن الإنسان مهما حقق من نجاح يبقى بحاجة إلى المراجعة والتقييم المستمر.
هل للغرور مكان في حياة رنا الطباع؟
لا أعتقد ذلك. الغرور يقتل النجاح بصمت، بينما التواضع يحافظ على استمراريته. كلما تقدم الإنسان في مسيرته ازداد اقتناعاً بأن التعلم لا يتوقف وأن النجاح الحقيقي لا يصنعه الفرد وحده.
ما أكثر موقف ترك أثراً عميقاً في حياتك؟
تعلمت من التجارب الصعبة أن الظلم وعدم التقدير قد يثقلان الروح ويضعفان الشغف، لكنهما لا يجب أن يكونا سبباً للتوقف. مررت بلحظات شعرت فيها بالإحباط، لكن الإيمان بالله والإصرار على متابعة الرسالة التي أؤمن بها كانا أقوى من أي عائق.
كيف تتمنين أن يتذكرك الناس بعد سنوات؟
أتمنى أن يتذكرني الناس كإنسانة أحبت الخير وسعت إلى مساعدة الآخرين قدر استطاعتها. أؤمن أن جبر الخواطر من أعظم الأعمال الإنسانية، وأن الكلمة الطيبة قد تترك أثراً يفوق أحياناً أثر المال والدعم المادي.

ما أبرز الخطط القادمة؟
نستعد للمشاركة في معرض نازتكس بمدينة المعارض خلال شهر تموز المقبل، وهي محطة مهمة بالنسبة لنا، لأننا نطمح دائماً إلى إيصال المنتج السوري وإبداع المرأة السورية إلى أكبر المنصات والفعاليات المتخصصة.
كلمة أخيرة
أتوجه بالشكر إلى الأسرة الإعلامية التي تواكب قصص النجاح السورية وتسلط الضوء على أصحاب المشاريع والطموحات. الإعلام شريك أساسي في دعم التنمية ونقل التجارب الملهمة إلى المجتمع، وأشكر مجلة المنارة الإماراتية على هذا الاهتمام والمتابعة.
انطباع أخير
في حديثها لا تتحدث رنا الطباع عن نفسها بقدر ما تتحدث عن الآخرين. وربما هنا يكمن سر حضورها وتأثيرها؛ فهي ترى في نجاحها وسيلة لنجاح غيرها، وفي كل مشروع صغير حكاية تستحق فرصة جديدة للحياة.








