المنارة: نيرة جمال
في عالم سريع التغيّر، لم يعد الاعتماد على النفس مهارة إضافية، بل ضرورة أساسية يحتاجها الطفل ليصبح شخصاً واثقاً، قادراً على اتخاذ القرار، ومواجهة التحديات بثبات. ويؤكد خبراء التربية أن غرس هذه المهارة لا يحدث فجأة، بل هو مسار تربوي يبدأ منذ السنوات الأولى، ويقوم على التوازن بين الدعم والتوجيه ومنح المساحة للتجربة والخطأ.
الاستقلالية تبدأ من التفاصيل الصغيرة
تعليم الطفل الاعتماد على النفس لا يعني تحميله ما يفوق قدرته، بل تشجيعه على القيام بالمهام البسيطة المناسبة لعمره، مثل ترتيب ألعابه، اختيار ملابسه، أو تحضير حقيبته المدرسية. هذه الخطوات اليومية تمنحه شعوراً بالإنجاز وتُعزّز ثقته بقدراته.
اتركوا مساحة للخطأ
من أكثر الأخطاء التربوية شيوعاً التدخل السريع لإصلاح كل خطأ يقع فيه الطفل. فالخطأ جزء أساسي من التعلم، ومن خلاله يكتسب الطفل مهارة التفكير وحل المشكلات. دور الأهل هنا هو التوجيه بهدوء، لا الحل نيابة عنه.
المسؤولية تُبنى بالتدريج
إسناد مهام واضحة للطفل، مثل العناية بغرفته أو المساعدة في بعض شؤون المنزل، يعزز إحساسه بالمسؤولية. المهم أن تكون التوقعات واقعية، وأن يُقابل الالتزام بالتشجيع لا بالمقارنة أو النقد القاسي.

الحوار بدل الأوامر
الطفل الذي يُسمح له بالتعبير عن رأيه والمشاركة في اتخاذ بعض القرارات، يصبح أكثر استقلالية. الحوار الهادئ، وشرح أسباب الرفض أو القبول، يساعد الطفل على فهم النتائج وتحمل تبعات اختياراته.
التشجيع لا الحماية الزائدة
الحماية المفرطة قد تُشعر الطفل بالعجز والخوف من التجربة. في المقابل، التشجيع المدروس يمنحه الأمان النفسي مع مساحة للاكتشاف. الدعم لا يعني القيام بكل شيء عنه، بل الوقوف إلى جانبه عند الحاجة.
القدوة أساس التربية
الأطفال يتعلمون بالملاحظة أكثر مما يتعلمون بالكلام. عندما يرى الطفل والديه يعتمدون على أنفسهم، يخططون، ويتحملون نتائج قراراتهم، فإنه يكتسب هذه السلوكيات بشكل تلقائي.
ثمار الاعتماد على النفس
تشير الدراسات التربوية إلى أن الأطفال الذين يتعلمون الاستقلالية في سن مبكرة يتمتعون بقدرة أعلى على التكيف الاجتماعي، واتخاذ القرار، وبمستويات أفضل من الثقة بالنفس والمرونة النفسية في مراحل لاحقة من حياتهم.
في النهاية، تعليم الطفل الاعتماد على النفس هو استثمار طويل الأمد في شخصيته ومستقبله. فكل فرصة تُمنح له للتجربة، وكل تشجيع صادق، تساهم في بناء إنسان قادر على مواجهة الحياة بثقة ومسؤولية.







