المنارة / الرباط
لم تكن وفاة الفنان المغربي عزيز باقبو مجرد خبر عن رحيل أحد أبرز فناني الموسيقى الشعبية المغربية، وإنما أعادت تسليط الضوء على واحد من أكثر الفنون ارتباطًا بالذاكرة الثقافية للمغرب، وهو فن «كناوة» الذي نجح على مدار عقود في الانتقال من فضاءاته التقليدية إلى المهرجانات الكبرى والمنصات العالمية.
ورحل عزيز باقبو عن عمر ناهز 64 عامًا، بعد مسيرة ارتبط خلالها بهذا الفن الذي يجمع بين الموسيقى والغناء والإيقاع والرقص والممارسات الجماعية والطقوس ذات الامتدادات الصوفية.
ليترك خلفه تجربة فنية ساهمت في الحفاظ على هذا التراث ونقله إلى أجيال جديدة.
«المعلّم».. حارس إيقاعات كناوة
يقوم عرض كناوة بشكل أساسي على «المعلّم»، وهو الفنان الذي يتولى قيادة الأداء.
ويغني ويعزف على «الكمبري»، وهي آلة وترية تتميز بصوتها العميق.
بينما ترافقه «القراقب» أو الصنوج المعدنية، التي تمنح العروض إيقاعاتها الخاصة والمميزة.
وفي هذا السياق، نشأ عزيز باقبو داخل أسرة مراكشية ارتبط اسمها بهذا الفن.
فتلقى أصوله على يد والده، المعلم العياشي باقبو، قبل أن يواصل رحلته الفنية التي جعلته واحدًا من الأسماء المعروفة في مجال كناوة.
كما ارتبط اسمه بشقيقه المعلم مصطفى باقبو، الذي كان من أبرز فناني هذا اللون الموسيقي.
قبل وفاته في سبتمبر/أيلول 2025، ليلحق به شقيقه الأصغر عزيز بعد نحو عام.
ومن ناحية أخرى، تعكس مسيرة الشقيقين استمرار دور العائلات الفنية في الحفاظ على هذا التراث.
خصوصًا أن فن كناوة لم يعد حبيس المناسبات التقليدية.
وإنما تطور مع مرور الوقت، متأثرًا بمزيج من الثقافات الإفريقية والعربية الإسلامية والأمازيغية.
كيف تحولت «كناوة» إلى صوت عالمي للمغرب؟
وبمرور السنوات، تجاوزت موسيقى كناوة حدود الزوايا والمناسبات الشعبية.
لتجد طريقها إلى المسارح والمهرجانات الكبرى داخل المغرب وخارجه.
وأصبح مهرجان كناوة وموسيقى العالم بمدينة الصويرة أحد أبرز المحطات التي تجمع هذا التراث الموسيقي بتجارب فنية من أنحاء مختلفة من العالم.
ولم يكن هذا الانتقال مجرد تغير في أماكن تقديم الموسيقى، بل ساهم في تعريف جمهور دولي بأحد المكونات المهمة للهوية الثقافية المغربية.
مع استمرار «المعلّمين» في الحفاظ على الملامح الأساسية للفن رغم انفتاحه على أشكال وتجارب موسيقية حديثة.
وتعزز الاعتراف العالمي بهذا التراث عام 2019، عندما أدرجت منظمة اليونسكو فن كناوة ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية.
وفي المقابل، ظل فنانون مثل عزيز باقبو جزءًا أساسيًا من هذه الرحلة.
بعدما شارك على مدار سنوات في مهرجانات وفعاليات فنية داخل المغرب وخارجه، محافظًا على حضور الفن التقليدي في المشهد الموسيقي المعاصر.
وشهدت النسخة الماضية من مهرجان كناوة وموسيقى العالم في الصويرة، التي أقيمت خلال يونيو/حزيران الماضي، تكريم المعلم الراحل مصطفى باقبو، في لحظة حملت تقديرًا لمسيرته.
قبل أن يأتي رحيل شقيقه عزيز ليعيد اسم عائلة باقبو إلى واجهة المشهد.
ويذكر مجددًا بالدور الذي لعبه فنانو كناوة في حماية واحد من أبرز ألوان التراث الموسيقي المغربي.








