ندوة وطنية حول “شعرية القصيدة وجمالية الفرجة”

“الملحون والمسرح: من شعرية القصيدة إلى جمالية الفرجة”

تجارب مغربية في مسرحة القصيدة وبناء العرض الركحي”

نظمت دار الشعر بمراكش، بتنسيق مع جمعية الشيخ الجيلالي امتيرد والمكتبة الجامعية الرقمية، ندوة وطنية حول “الملحون والمسرح: من شعرية القصيدة إلى جمالية الفرجة: تجارب مغربية في مسرحة القصيدة وبناء العرض الركحي”؛ السبت 24 أكتوبر الماضي، بفضاء المكتبة الجامعية الرقمية والتي شهدت حضورا لافتا لأعلام الثقافة والفن. ويأتي سياق تنظيم هذه الندوة الوطنية، والتي تندرج ضمن فعاليات الدورة الحادية عشرة لمهرجان “الملحون والأغنية الوطنية” والذي تنظمه سنويا جمعية الشيخ الجيلالي امثيرد، ضمن شراكة ثقافية تجمع دار الشعر بمراكش بالمكتبة الجامعية الرقمية التابعة لجامعة القاضي عياض والجمعية، في أفق ترسيخ مجالات التفكير النقدي في قضايا تهم “ديوان المغاربة”: “فن الملحون” وأيضا ضمن تقاطعات التفكير التي تشغل الشركاء، خصوصا أسئلة “القصيدة” وتحققها “الفرجوي”. ويسعى الشركاء الى تطوير هذه الألية النقدية وتوسيع هامش مشاركتها مستقبلا، من خلال الدعوة الى ترسيخ يوم أكاديمي دراسي حول “شعر فن الملحون”.

وشهدت هذه الندوة مشاركة النقاد والباحثين: حسن بحراوي، أحمد زنيبر، محمد أبو سيف، أنس الملحوني. وخصص “الشيخ مصطفى اخليفي” فقرة خاصة لتقديم قراءات شعرية ملحونية (سرادة)، في ربط بين مستويات القول والتفكير والنموذج التطبيقي، ومن معين ديوان المغاربة. الشيخ اخليفي، ومن خلال قوة أدائه وربطه مستويات القول الشعري بجماليات الإلقاء، قدم لجمهور الندوة نموذجا عينيا لقوة “النص الملحوني” ضمن ما يتضمنه من محكي شعري، قابلا للتحقق الفرجوي.

- Advertisement -

ندوة “الملحون والمسرح: من شعرية القصيدة إلى جمالية الفرجة.. تجارب مغربية في مسرحة القصيدة وبناء العرض الركحي” تأتي في أفق “فتح حوار علمي ونقدي بين الباحثين والشعراء والمسرحيين والموسيقيين والممارسين، وإلى بلورة معرفة أدق بالعلاقات التي تجمع القصيدة الملحونية بالفرجة المسرحية. كما تسعى إلى استشراف إمكانات إبداعية جديدة تجعل من الملحون أحد المداخل المنتِجة لبناء “فرجات مغربية” يستمد لغته وصوره وإيقاعاته من الذاكرة الوطنية، وينفتح في الوقت نفسه على أسئلة المسرح المعاصر وتحولاته الجمالية”.

و”يختزن فن الملحون في بنيته الشعرية والإنشادية مقومات فرجوية متعددة، تتجلى في الحكي والحوار، وتعدد الأصوات والشخصيات، وبناء المواقف والصراعات، واستحضار الأمكنة والأزمنة، إلى جانب ما يتيحه الإيقاع واللحن والأداء الجسدي من إمكانات تعبيرية. وقد جعلت هذه الخصائص من القصيدة الملحونية فضاء قابلا للتحويل الدرامي، ومادة خصبة للكتابة المسرحية وبناء العرض الركحي.. كما يقوم أداء الملحون، في أصله، على علاقة حية تجمع بين القصيدة والمنشد والعازفين والمتلقين. كما تتولد فرجته من تفاعل الكلمة والنغمة والإيقاع والصوت والحركة، ومن قدرة المنشد على تشخيص المعاني واستحضار الحالات النفسية والمواقف الحكائية التي يحملها النص. ولذلك وجد المسرحيون المغاربة في أدب وفن الملحون رصيدا جماليا وتعبيريا يتيح بناء صيغة مسرحية متجذرة في الذاكرة الثقافية المغربية، وقادرة على مخاطبة المتلقي المعاصر”.

- Advertisement -

وتناول الناقد والمبدع الدكتور حسن بحراوي؛ موضوع “رحلة الحرَّاز، من القصيدة إلى الفرجة”؛ معتبرا أنه لابد لكل تلخيص مفيد لهذا الغرض أن يمر عبر ثلاثة أشخاص على الأقل هم: أولا الشيخ المكي القرشي وهو شاعر ملحون أزموري ضرير كان يقيم حلقاته في ساحة جامع الفنا ويعيش على التغني بقصائد مرحة من شعر الملحون، وقد قادته موهبته إلى تجريب حظه في اقتراح نموذج من قصيدة الحراز الموروثة عن أستاذه الشاعر العبقري الجيلالي امتيرد الذي كان سباقا إلى نظم خرازه الخاص الذي بلغ فيه مستوى رفيعا من الإبداع والتميز توجه أميرا على الخمسين شاعر ممن اقترحوا كل واحد خرازه.. وثانيا: على أن (حراز عويشة) العائد إلى الشيخ المكي الضرير هو الذي سيقع عليه اختيار المسرحي المراكشي عبد السلام الشرايبي عندما سيلتمس منه زميلاه الفكاهيان محمد بلقاس وعبد الجبار الوزير العمل على مسرحة قصيدة الحراز وإعدادها للخشبة تمثيلها بواسطة أعضاء فرقة الوفاء المراكشية حديثة العهد مع الاستعانة بالفنان الشاب مولاي عبد العزيز الطاهري.. وسوف تكون نتيجة هذه المحاولة المبكرة (1967) القائمة على المزج بين غناء الملحون والتمثيل المسرحي ناجحة بل ومبهرة بجميع المقاييس، فهي قد استقطبت رواد وعشاق الملحون باستلهام إحدى شخصياتهم المثيرة وأعادت لها الحياة فوق خشبة المسرح، ثم أنها فتحت الباب واسعا أمام المؤلف الدرامي المغربي الذي كان قد بدأ يشكو من ندرة النصوص القابلة للاقتباس والتشخيص..

العنصر الثالث في هذه الواقعة هو الفنان المسرحي الطيب الصديقي الذي بعد أن بلغته أصداء هذا الزواج المستحب بين فنين عزيزين على وجدانه هما الملحون والتمثيل.. سوف يسارع إلى التواصل مع صديقه المراكشي عبد السلام الشرايبي ويدعوه إلى مسرحه البلدي بالدار البيضاء على أن يأتي محملا بمخطوطه الحراز ويكون مستعدا لفتح حوار مثمر حول (شرعية) ذلك الزواج والبحث في أسباب جعله أكثر خصوبة و إنتاجا للإبداع والمتعة. والبقية نعرفها عبر التسجيل الذي ما يزال حيا، رغم أن معظم أبطاله في دار البقاء، كما نعرف كذلك أن الصديقي مع حفاظه على النص كما هو تقريبا، أضاف إليه سينوغرافيا طليعية، ثابتة ومتحركة، أنجزها أخوه الصديق الصديقي، وألبسة تقليدية ولكن مذهلة اعتنت بإعدادها أخته مارية الصديقي، وخاصة بالاستعانة بممثلين شباب ذوي مواهب غير مسبوقة في التشخيص والغناء والارتجال سيتحولون بأقصى سرعة إلى دينامو قوي لظاهرة ما تزال تملأ أسماعنا وتأهل أذواقنا إلى يوم الناس هذا وهي الظاهرة الغيوانية بكل التأكيد اللازم..

وتوقف الباحث حسن بحراوي في الأخير، عند هذا الترابط والتفاعل بين إبداع قصيدة الشيخ المكي موضوعا وتعبيرا، ودهاء عبد السلام الشرايبي في المعالجة الدرامية والمسرحة، ورؤية الطيب الصديقي الإخراجية، كل ذلك يوضح لنا كيف تظافرت جهود هؤلاء الرواد لحماية تراث الملحون وضمان استمراريته عبر الأجيال.. الناقد والباحث والكاتب والشاعر ومربي الأجيال حسن بحراوي، باحث في الأدب الحديث والتراث الشفوي وناقد ومترجم ومدرّس للرواية في الجامعة المغربية… يتميّز بغزارة إنتاجه في مجالات الأدب والفكر والنقد والترجمة، حيث أثرى المكتبة العربية بمجموعة من الأعمال التي تنوعت بين الترجمة والإبداع والثقافة الشعبية والرواية والنقد الأدبي والشعر.

وقارب الناقد والمبدع الدكتور أحمد زنيبر موضوع: “صدى الديجور، بين حوارية النص وبلاغة الحضور”؛ الشاعر والناقد الأدبي أحـمـد زنـيـبـر باحث في التربية والتكوين والثقافة الشعبية، رئيس فريق البحث في الخطاب البيداغوجي ورهاناته اللغوية والجمالية، والمشارك في ندوات علمية ولقاءات ثقافية داخل المغرب وخارجه.. صاحب دواوين شعرية ونقدية، منها: “صنعة الكلام دراسات في الشعر الملحون بالمغرب”، و”الانحياز إلى القصيدة قراءات في المتن الشعري الحديث بالمغرب”، و”المعارضة الشعرية عتبات التناص في القصيدة المغربية”.

وانطلقت مداخلة الشاعر والباحث أحمد زنيبر، بدعوته الى تجاوز تلك النظرة التقليدية الضيقة التي تختزل شعر الملحون في أبعاده الغنائية الصرف، لتثبت امتلاكه بنيات حوارية تنزع نحو التمثيل والفرجة. أما الإشكالية فتروم اختبار العلاقة الفنية والدرامية بين الشعر الملحون وفن المسرح، ذلك أن نصوصا من الشعر الملحون تحبل بحوارات تنتقل من تقنية المونولوج الذاتي إلى التعدد الصوتي، مما يخلق مشاهد تشخيصية تنزع نحو التمثيل والفرجة.

وللاقتراب من هذا الموضوع استندت المداخلة إلى مساجلة شعرية حول موضوع “الديجور” بين الشيخين التهامي المدغري وأحمد سهوم، واعتبارها متنا تطبيقيا ينظر في كيفية انتقال الملفوظ من شعرية النص إلى جمالية الفرجة المشهدية، مع عقد مقارنة دلالية وسينوغرافية بين النصين. وتنتهي مداخلة الشاعر والباحث أحمد زنيبر، بالوقوف عند إحدى التجارب المغربية في التعامل مع النص الملحوني، هي تجربة الفنان والمسرحي عبد المجيد فنيش، وذلك بتحويل النص الشعري لأحمد سهوم إلى عمل فرجوي بتقنيات مسرحية. فتخلص المداخلة إلى أن الشعر الملحون ينطوي على طاقة دراماتورجية وإبداعية متجددة تتيح آفاقا واسعة للتجريب المسرحي، كما تؤكد أن الملحون يتنفس المسرح في أوزانه وحواراته ومساجلاته.

أما الباحث الدكتور محمد أبو سيف؛ فاختار استقصاء مونودرامية القصيدة الملحونية ومحاورة الإنسي وغير الإنسي؛ أستاذ اللغة الإنجليزية وأستاذ مادة المسرح بمركز التفتح الفني بالقنيطرة وأستاذ زائر بكلية اللغات والآداب والفنون بجامعة ابن طفيل، يدرس مادة تقنيات التشخيص وحاصل على دكتوراه في المسرح، مؤلف ومترجم ومخرج مسرحي ورئيس جمعية فوانيس المسرح والسينما بمدينة القنيطرة يكتب باللغتين العربية والإنجليزية ونشرت له مجموعة أعمال بالمغرب، ومصر والشارقة.

وتضمنت مداخلته الإشارة إلى أهم العناصر التي تجنح بالقصيدة الملحونة من فرجة الكلام إلى فرجة المشاهدة، ومراحل تدرجها من المناجاة الصوفية إلى محاورة الذات، كشكل من أشكال المونودراما الدينية والمونودراما النفسية، مرورا بأنسنة اللاإنسي ومحاورة المجردات، على شكل مسرح الخوارق، وصولا إلى صياغة الحوار المسرحي بالشكل المتعارف عليه في مجموعة من الاتجاهات المسرحية العالمية. مع التركيز هنا، على أن فعل العبور “ممكن” في حدود امتلاك المحلون لميكانيزمات، داخلية، تستطيع أن تعبر اتجاه المنحى الفرجوي.

وتوقف الباحث والاعلامي الدكتور أنس الملحوني عند “من ميزان القصيدة إلى إيقاع الخشبة”: دراماتورجيا الموسيقى وكفايات الممثل المنشد في بناء الفرجة الملحونية المسرحية. وتناول في مداخلته دور الموسيقى والإنشاد في انتقال القصيدة الملحونية من التدوين إلى العرض المسرحي، وبحث الشروط التي تتيح للممثل الجمع بين سلامة الأداء الملحوني وبناء الشخصية والفعل الدرامي. انطلاقا من العلاقة بين النص المكتوب وذاكرته الإنشادية، لتوضح وظائف اللحن والإيقاع والصمت والإصغاء في تنظيم المشهد. وتعرج الماخلة على قصيدة “الحراز” نموذجاً أساسياً، من خلال تجربة عبد السلام الشرايبي مع فرقة الوفاء المراكشية ومعالجة الطيب الصديقي، مع إبراز أهمية معرفة الملحون داخل الفرقة.

كما استحضر الباحث الملحوني تجربة عبد المجيد فنيش في تأليف الفرجة الملحونية والربط بين لوحاتها. وتخلص إلى تحديد كفايات الممثل المنشد، وفي مقدمتها فهم النص وضبط النطق والميزان والتنفس، والقدرة على التشخيص والتفاعل مع الجوق والشركاء، بما يسهم في تماسك العرض وصون الخصوصية الجمالية للقصيدة. وقد قدم الفنان فنيش مداخلة مسجلة، تناول من خلالها تجربته مع مسرحة القصيدة الملحونية، عبر التوقف عند تجارب شهدها المسرح المغربي، الى جانب تركيزه على البعد الدراماتورجي في تناول “شعر الملحون” ضمن هذه العلاقة بعوالم الفرجة.

إذ بالعودة لريبرتوار الركح المغربي، فقد عرف المسرح المغربي تجارب بارزة في استلهام القصيدة الملحونية وإعادة صياغتها ركحيا، سواء من خلال اقتباس قصائد بعينها، أو استحضار شخصيات شعرائها وموضوعاتها، أو توظيف أنماطها الإيقاعية والغنائية داخل البناء الدرامي. وتبرز، في هذا السياق، تجربة عبد السلام الشرايبي، ولا سيما في أعمال من قبيل “الحراز” و”سيدي قدور العلمي”، إلى جانب إسهامات عبد الله المعاوي في توثيق الذاكرة المسرحية المراكشية والمغربية وقراءتها، والتجربة الممتدة والمتميزة للأستاذ الباحث والفنان عبد المجيد فنيش في مجال “مسرح الملحون” و”ملحون المسرح”.

وهكذا ركزت الندوة على سؤال مركزي يتعلق بكيفية انتقال القصيدة الملحونية من فضاء الإنشاد والسماع إلى فضاء التشخيص والفرجة. مع ما يستدعي هذا الانتقال من مساءلة لطرائق الاقتباس والإعداد والكتابة الدراماتورجية، وحدود التصرف في النص الأصلي، وموقع الموسيقى داخل العرض، والعلاقة بين المنشد والممثل، وبين الجوق الموسيقي والفضاء السينوغرافي، إضافة إلى أثر الأداء الركحي في تجديد تلقي الملحون وتوسيع دائرة جمهوره..”. لحظة معرفية أخرى، شهدتها مناقشة العروض المقدمة، وجوه تنتمي لعالم الثقافة والفن ضمن سجالات نقدية عالمة أسهمت في إثارة العديد من الأسئلة والقضايا، سواء تلك المرتبطة بشعر الملحون أو بالفرجات التي تسلهم التراث المغربي. برنامج “ندوات” لدار الشعر بمراكش، والذي دأبت من خلاله الدار، بتنسيق مع العديد من الشركاء، استدعاء نقط الضوء المضيئة في ثقافتنا في علاقة بأسئلة الشعري وضمن ما يستحدث في “جماليات الفرجات” و”التلقي” وأيضا في جوانب أساسية تجعل الشعر ينخرط في المنظومة المجتمعية.

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://almanara.media/?p=80850
- Advertisement -
شارك هذه المقالة