الورد المحمَّدي حضور روحاني مميَّز

سريعة سليم حديد

حين تتعطَّل لغة الكلام,  يكون للأزاهير لسان ينطق بأجمل اللغات, ويفضي بما يعتلج في القلب من أحاسيس مختلفة. هي لغة رومانسية, تكشف عما يدور في الصدور من حب وشوق وألم وعتاب, ومشاعر روحانية شتى, تتجلَّى  بشكل خاص في “الورد المحمَّدي” الرائع المعروف باسمه العلمي: “Roas damascene”.

“الورد المحمَّدي” عنوان حضور مميَّز بعطره ولونه ونكهته وأبعاده الهامة من النواحي: الاجتماعية والطبية والاقتصادية والتراثية, فيجعل الناس تنجذب إليه, وتطلبه ليكون لديهم موطن سكينة ومتعة.

ــ “الورد  المحمَّدي” أو ما يسمَّى بالورد الجوري. جذوره التاريخية ممتدَّة عبر آلاف السنين, وقد أثبت تواجده وتبادله في المجتمعات ضمن مناسبات الأفراح والتعازي والتداوي.  استخدمت أزاهيره في الزينة وتقطير العطور واستخراج الزيت. هو منكه للحلويات, ويستعمل في وسائل التجميل, تُستخدم بتلاته بشكل كبير في وضعها في الخزائن بين طيَّات الملابس من أجل تعطيرها, وكذلك كبخور مميَّز في المناسبات, أضف أيضاً وضعها في مياه الشرب لإضفاء نكهة فريدة عليها.

ــ سبب تسمية “الورد المحمَّدي” بهذا الاسم:

ــ في قصَّة متداولة قيل: إنها تعود إلى زمن الإسراء والمعراج, لما عُرج بالنبي محمَّد صلى الله عليه وسلّم, تعرَّق من الدهشة والرهبة والخشوع, بعد ذلك نزلت قطرات من عرقه على الأرض , فأنبت الله مكانها ورداً أحمر طيِّب الرائحة. عندها قال الرسول الكريم: “من أراد أن يشمَّ رائحتي, فليشمَّ الورد الأحمر”. لكن, من اللافت أن لونه المتعارف عليه هو اللون الزهري ذو الأوراق الناعمة الرقيقة.

ــ أشهر أسمائه في الدول العربية:

ــ بداية ارتبط اسم “الورد المحمَّدي” باسم الرسول الكريم محمَّد صلى الله عليه وسلَّم. نسبة إلى طيب رائحته الفوَّاحة, سواء كان الورد جافَّاً أم يانعاً. يُنسب “الورد المحمَّدي” في السعودية إلى مدينة الطائف, فيطلق عليه اسم الورد الطائفي, وفي سورية ينسب إلى مدينة دمشق, فيُسمَّى الورد الدمشقي أو الشامي. أما في إيران فاسمه يرجع إلى مدينة “جور” المعروفة حالياً باسم “فيروز آباد”, ويُعرف باسم الورد الجوري. كذلك يُطلق عليه اسم “زهرة محمَّد” لطيب الرائحة التي تشبه رائحة الرسول الكريم.

ــ العلاقة بين الوردة المحمدية والوردة الشامية أو ما تُعرف باسم الوردة الدمشقية:

ــ تتميَّز كل واحدة منهما بلونها الزهري الآخَّذ وعطرها القوي, كما تتحدان بجودة خواص كيميائية وطبية وغذائية متطابقة. وتتقاطعان في المهرجانات التي تقام سنوياً احتفاء وبهجة ومكاسب اقتصادية واجتماعية, لا تعدُّ, ولا تُحصى.

ــ يعتبر الورد  الدمشقي من أهم أنواع “الورد المحمَّدي” باختلاف أحجامه وألوانه, فيشتهر برائحته العطرية القوية الثابتة. ما يميِّره أيضاً أنه لا يزهر في الصيف فقط بل هناك مرحلة إزهار لافته في فصل الخريف أيضاً. كما أن موطنه الأصلي بلاد الشام, وانتقل عبر الحملات االصليبية المتتالية على تلك البلاد إلى أوربا والعديد من دول العالم

ــ يُعتبر الورد الجوري الصغير الحجم والمتوسِّط منه الذي يحمل اللون الزهري هو “الورد المحمَّدي” المتعارف عليه, ولكنه يمتلك خواص تميِّزه أهمها الرائحة القوية, من هنا ليس أي ورد جوري صغير هو ورد محمَّدي, فهناك أنواع وأشكال كثيرة من الجوري لا تحمل أية رائحة.

ــ قد تتنوَّع أحجام الورود الجوري, حتى تصل إلى الحجم الكبير الذي يُعرف في دمشق باسم “الوردة الشامية”, هذه الزهرة التي امتلكت مميِّزات خاصة بها تشبه كل الشبه “الورد المحمَّدي” الصغير من حيث اللون والرائحة العطرة القوية, ومكانتها الاجتماعية والاقتصادية ومدلولاتها الروحية.

ـ أبرز الطقوس المتعلِّقة بـ “الورد المحمَّدي”:

ــ الطقوس الروحية والمنزلية, حيث يرشُّ ماء الورد في البيوت والمساجد لإضفاء روح البركة في المكان, كما يُستخدم كبخور طبيعي.

ــ هناك طقوس الضيافة: يشرب شاي “الورد المحمَّدي” المجفَّف لوحده, وقد يُخلط مع مشروب الشاي التقليدي كمهدِّئ للأعصاب.

ــ كذلك هناك طقوس غذائية متعارف عليها, حيث يُستخدم في تنكيه الحلويات مثل: الراحة والقشطلية والألماسية, وذلك من خلال طحنه كمطيِّب لها. أضف أيضاً صناعة مربى الورد التي لا تخلو من عُشاق لها على مستوى كبير. تعتبر مدينة “حلب” السورية أولى المدن المهتمَّة بصناعة مربى الورد الدمشقي, وهي امتداد للتراث الحلبي التقليدي, ويعتبر جرءاً هاماً في المؤونة الشتوية

ــ فوائد “الورد المحمَّدي” من الناحية العلمية:

ــ تتعدَّد فوائده بالنسبة لجهاز الهضم, فهو يحلُّ مشكلة الإمساك ويلين الأمعاء لاحتوائه على مادة فعَّالة وهي “جليكوسيدات”, كما أنه يعمل على التخلُّص من البول وطرد السموم, يزيل الحساسية وله خواص جيدة في مسألة التجميل وتحضير العطور

ــ شاي “الورد المحمَّدي”:

ــ يتم تحضير الشاي كالمعتاد بنقع بعض الأزاهير في كوب ماء مغلي, ويترك لدقائق عدة, ثم يشرب. ما يمز المشروب أنه قوي الرائحة معطِّر للفم, ويملأ الجو عبقاً لافتاً. وتتعدَّد فوائده التي لا تحصى من خلال استخدامه لمشاكل الحلق والحساسية وبعض أمراض البشرة . ما يميِّزه أنه لا أضرار من تناوله في حال كانت الكمية المستهلكة مناسبة.

ــ تحلية شراب الورد المحمَّدي:

ــ يمكن أن يُحلَّى بالعسل أو بدائل السكر الأبيض, كذلك يُستخدم “سكَّر النبات” للتحلية كبديل آمن لا يرفع مستوى سكر الدم وهو خال من الدهون وله فوائد كثيرة لتحسين الصوت وترطيب الحلق.

ختاماً نقول: من المبهج حقيقة استخدام “الورد المحمَّدي” سواء كان طازجاً أم مجفَّفاً, فهو يقدِّم للنفس متعة خاصَّة, ويُضفي على المكان بهجة غامرة.  بمجرَّد ذكره أو رؤيته, يقفز إلى الذاكرة ذكر اسم الرسول محمَّد صلى الله عليه وسلَّم, مما يُشكِّل حالة روحانية مميَّزة, لا تمتلك استحضارها أية زهرة في العالم.

📎 رابط مختصر للمقال: https://almanara.media/?p=66503
شارك هذه المقالة