في الساعات الأخيرة التي سبقت الرابعة فجراً من يوم الأربعاء، كان العالم يقف على أطراف أصابعه. لم تكن الترقبات نابعة من رغبة الشعوب في الحرب، بل من ثقل التهديدات التي صدرت عن أقوى دولة في العالم، والتي أوحت بأن المنطقة على وشك أن تُفتح فيها أبواب الجحيم.
ومع ذلك، وفي لحظة بدت وكأنها خارج سياق التصعيد، صدر قرار هدنة مفاجئة، محمّلة بالتناقضات، غامضة في بنودها، ومربكة في توقيتها. حتى المحللون – الذين امتلأت بهم شاشات الفضائيات – وقفوا أمامها عاجزين عن تفسيرها، وكأنهم أمام لغز سياسي لا مفاتيح له.
لقد انتقل المشهد من حافة الانفجار إلى صمتٍ ثقيل، صمتٍ لا يشبه السلام بقدر ما يشبه توقفًا اضطراريًا لإعادة ترتيب الأوراق.
نحن، دعاة السلام، استقبلنا الهدنة بارتياح، لأن الحرب ليست خيار الشعوب، ولا خصومة لنا مع حضارة فارس، بل مع مسارات سياسية متشابكة. ومع ذلك، يبقى القلق حاضرًا: قلقٌ من بداية لا نعرف متى تنتهي، ومن نهاية قد تكون مجرد بداية جديدة لصراع آخر.
أسئلة تفرض نفسها على المشهد
الهدنة لم تُنهِ الجدل، بل أطلقت سلسلة من الأسئلة التي لا يمكن تجاهلها:
– ماذا تريد الولايات المتحدة وإسرائيل من إيران؟
تتعدد التحليلات بين من يرى أن الهدف هو الحد من النفوذ الإقليمي، ومن يرى أن الأمر يتعلق بإعادة صياغة التوازنات.
– وماذا تريد دول الخليج العربي من إيران؟
الأمن، احترام السيادة، وقف التدخلات، أم بناء علاقة قائمة على المصالح المشتركة؟
– وماذا تريد إيران نفسها؟
دور إقليمي أكبر، اعتراف دولي، ضمانات أمنية، أم تثبيت معادلة جديدة في المنطقة؟
– ولماذا اندلعت الحرب أصلًا؟
هل كانت نتيجة تراكمات طويلة، أم رسائل متبادلة خرجت عن السيطرة؟
– ولماذا جاء الرد الإيراني على دول الخليج أكثر من استهداف القواعد الأمريكية أو إسرائيل؟
سؤال يفتح باب التأويل حول الرسائل السياسية وحسابات الميدان.
– وما هو تعريف النصر لدى الأطراف المتصارعة؟
هل هو إسقاط خصم، أم كسر إرادة، أم مجرد النجاة من الجولة؟
– وهل يحق لواشنطن إبرام اتفاق سلام مع طهران دون إشراك دول الخليج العربي؟
دول لم تشارك في الحرب، لكنها تحملت تبعاتها، وصدّت الهجمات، واحتفظت بحق الرد.
هدنة أم إعادة توزيع للأدوار؟
الهدنة تبدو أقرب إلى محطة مؤقتة منها إلى نهاية صراع.
فالمشهد الإقليمي يشير إلى أن ما جرى ليس سوى فصل جديد في سلسلة طويلة من المواجهات السياسية والعسكرية.
هدنة قد تكون فرصة لخفض التوتر، وقد تكون تمهيدًا لجولة تفاوضية، أو حتى استراحة قبل اشتعال جديد.
المفارقة الكبرى أن الهدنة جاءت بعد تهديدات غير مسبوقة، وبعد ساعات من توقعات بانفجار شامل.
وكأن العالم انتقل من لغة الصواريخ إلى لغة الشروط، ومن حافة الحرب إلى طاولة تفاوض غير مكتملة.
خاتمة: صراع الأسئلة قبل صراع السلاح
ما حدث ليس مجرد وقف لإطلاق النار، بل إعادة فتح لملف معقد تتداخل فيه المصالح الدولية والإقليمية.
والأسئلة المطروحة ليست ترفًا سياسيًا، بل ضرورة لفهم ما يجري وما قد يجري.
فالشرق الأوسط منطقة لا تنتهي فيها الأحداث، بل تتوالد.
كل نهاية بداية، وكل بداية امتداد لنهاية سابقة.
والسلام الحقيقي لا يُصنع بالهدن المؤقتة، بل بإرادة الشعوب، ووضوح النوايا، وتوازن المصالح.








