عمان/ المنارة
صدرَ مؤخراً عن دار الخليج للنشر والتوزيع/ عمّان ديوان الشاعر خالد نسيبة الجديد بعنوان «هام قلبي».
ويقدّم الديوان تجربة شعرية تقوم على المزج بين الروحاني والإنساني والوطني، عبر لغةٍ مكثفة واضحة، لا تتخلّى عن نَفَس الحكمة ورحابة الرؤية.
ويقوم جزء مهم من بنية الديوان على البعد الديني والتاريخي، حيث يستلهم الشاعر رموزًا كبرى في الوعي الروحي مثل الإسراء والمعراج ويوسف الصديق والإمام علي وآل ياسر وعيسى النبي وطيبة وعثمان بن مظعون. يظهر هذا الاستدعاء بوصفه امتدادًا للدلالة الشعرية، لا مجرد إحالة معرفية، إذ يربط الماضي بالحاضر ويمنح النصوص عمقًا روحيًا يسند رؤيتها.
ويتجاور هذا الحضور مع التزام وطني وقومي واضح، يجعل من القدس وفلسطين مركزًا دافئًا لعدد من القصائد التي تنبض بالألم واليقين معًا. فالجرح الفلسطيني لا يأتي كقضية سياسية فحسب، بل كوجدان لا يغادر الشاعر، كما في إن بعد العسر يسراً، مساعدات مغموسة بالدم، وأسرة الأبرار. ويبرز أيضًا الاحتفاء بالدور الأردني في قصيدة أردن أرض العزم حيث يُستعاد معنى الفداء والرباط.

إلى جانب ذلك، يحتلّ الوجدان العاطفي مساحة مؤثرة في الديوان، إذ يطرح الشاعر رؤية للحب لا تنحصر في بعدها العاطفي فقط، بل تتجاوز إلى ما يشبه الصفاء الداخلي والبحث عن الجمال. وتبدو نصوص مثل الحياة وفراق ووصال وسيوف الحب شاهدة على هذا المزج بين حرارة الشعور وعمق المعنى.
كما تنضح بعض القصائد بنبرة تتجه نحو الحكمة والتأمل، عبر مقولات شعرية تجمع بين الهدوء والصفاء، وتطرح أسئلة عن العدالة والصبر والإنسان وامتحانات الحياة. ويتجلى هذا البعد في نصوص مثل مشكاة وابن الأرض وسيف مغمد، حيث يقترب الشاعر من المعنى الوجودي دون أن يتخلى عن بساطة لغته.
ولا يقوم الديوان على المحلي فقط، بل يتسع لأفق إنساني عالمي، يظهر بوضوح في قصيدة جون كينيدي، التي تكشف عن رؤية تتجاوز الجغرافيا لتحتفي بالرموز الإنسانية الجامعة، وبالقيم التي تتكرر في سعي البشر نحو الحرية والسلام.
أما على مستوى البناء الفني، فتأتي القصائد في شكل يعتمد المقطع القصير والجملة المكثفة التي تنتهي غالبًا بإضاءة فكرية أو صوت روحي هادئ. ويقترب الشاعر من الأسلوب الحداثي في قصيدة النثر دون أن يتخلى عن جزالة التركيب العربي، ما يمنح النصوص إيقاعًا داخليًا قائمًا على الحس والدلالة أكثر من الوزن التقليدي.
وبهذا يتشكل «هام قلبي» كعمل شعري تتداخل فيه الروحانيات مع الوطنية، وتتجاور الوجدانيات مع الحكمة، ويتسع أفقه ليشمل الإنسان أينما كان. وهو ديوان يُظهر نضج تجربة خالد نسيبة، وقدرته على تحويل القيم إلى شعر، والذاكرة إلى رؤية، واللغة إلى فضاء تتقاطع فيه الصلابة مع الشفافية.







