أبوظبي في 14 نوفمبر / وام /
أكد مسؤولون وخبراء من كبرى المراكز الفكرية والشركات التكنولوجية العالمية أن الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة باتا ركيزة رئيسية في دعم النمو الاقتصادي وتسريع التحول الرقمي وتعزيز الأمن التكنولوجي، مشيرين إلى أن الجمع بين الشراكات الإستراتيجية والحوكمة الموثوقة والتنمية الصناعية يمثل الطريق الأمثل لتحقيق النفوذ الإقليمي والدولي وضمان التوازن بين التعاون والتنافس العالمي.
جاء ذلك خلال فعاليات حوار “تريندز الثاني حول الذكاء الاصطناعي”، الذي نظمه مركز تريندز للبحوث والاستشارات في أبوظبي أمس تحت عنوان “الدبلوماسية التكنولوجية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا”، بالشراكة الإستراتيجية مع مجلس الأمن السيبراني و23 جهة تكنولوجية وأكاديمية وإعلامية.
وشكل الحدث منصة فكرية لتحليل السياسات واستشراف مستقبل التعاون الدولي في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، بحضور عدد من أصحاب السعادة رؤساء الدوائر والهيئات وكبار المسؤولين.
شارك في الحوار ممثلون عن مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية الأمريكي “CSIS”، إلى جانب متحدثين من غوغل وأوبن ايه آي “OpenAI” و”G42″ و”GC REAIM” وجامعة خليفة وجامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي وجامعة نيويورك أبوظبي، مؤكدين أن الذكاء الاصطناعي أصبح محوراً إستراتيجياً عالمياً يعيد تشكيل موازين القوة بين الدول، مؤثراً في سلاسل الإمداد والطاقة والحوكمة الرقمية.
وأشار المتحدثون إلى جهود الولايات المتحدة في دمج الذكاء الاصطناعي ضمن أجندتها الاقتصادية والدبلوماسية، مستشهدين بشراكة تسريع الذكاء الاصطناعي بين الإمارات والولايات المتحدة التي تهدف إلى تعزيز التعاون في التقنيات المتقدمة وحماية الابتكارات الحساسة.
أجمع المشاركون على أهمية تعزيز التعاون الدولي والإقليمي في مجال دبلوماسية التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي بما يضمن الابتكار المسؤول والتنمية المستدامة.
ودعوا إلى تأسيس تحالف دولي لإدارة مخاطر وفرص التقنيات الناشئة، وتبني حوكمة شاملة للذكاء الاصطناعي تقوم على الحماية والابتكار والشراكة، وإنشاء فرق عمل مشتركة لتطوير معايير المرونة الرقمية، وإطلاق سفارات رقمية، وربط الذكاء الاصطناعي بالطاقة المستدامة وتشجيع مراكز البيانات الخضراء، وتأسيس تحالف عالمي للابتكار يجمع الجامعات والشركات لتبادل المعرفة والمواهب.
في كلمته الافتتاحية التي تم انشاؤها عبر الذكاء الاصطناعي، أكد الدكتور محمد عبدالله العلي، الرئيس التنفيذي لمركز تريندز للبحوث والاستشارات، أن التطورات التكنولوجية المتسارعة تجاوزت كونها أدوات تقنية لتصبح أدوات قوة ناعمة قادرة على إعادة ترتيب موازين القوى التقليدية.
واستذكر الدكتور العلي الحوار الإستراتيجي الأول للمركز في طوكيو، مشيراً إلى ما خلص إليه من تأكيد على الحاجة إلى معايير مشتركة للاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي، موضحاً أن حوار أبوظبي يأتي في ظل تحول جيوسياسي مهم يتمثل في الشراكات الأمريكية الحديثة مع دول المنطقة، والتي وصفها بأنها أدوات استراتيجية لإعادة هندسة النظام الإقليمي اعتماداً على الذكاء الاصطناعي والبنى التحتية الرقمية.
وأكد العلي أن المؤتمر يناقش محاور رئيسية تشمل العلاقات الأمريكية الخليجية المتطورة، ودور التكنولوجيا في صياغة سياسات النفوذ الناعم، والتأثيرات الجيوسياسية للذكاء الاصطناعي على الأمن الإقليمي.
من جهته، تناول سعادة الدكتور محمد الكويتي، رئيس الأمن السيبراني لحكومة الإمارات، التحديات والفرص من منظور أمني ودبلوماسي، داعياً إلى تأسيس إطار دولي مستدام لتعزيز الثقة والتعاون في الفضاء الرقمي، وحماية المجتمعات من الفجوة التقنية بين الدول.
وأكد سعادته أن الدبلوماسية الرقمية أصبحت اليوم عنصراً أساسياً مكملاً للدبلوماسية التقليدية، إذ أضافت قضايا الأمن السيبراني وأمن المعلومات إلى أجندة السياسة الخارجية، مشيراً إلى أن قوة الدولة التكنولوجية أصبحت معياراً لمكانتها الدبلوماسية.
وأشاد بالدور الريادي لدولة الإمارات في المجال السيبراني والتقني، الذي مكنها من تعزيز مكانتها الدولية وتمكين دبلوماسيتها الرقمية.
وشهدت الجلسة الحوارية التي أدارتها اليازية الحوسني، باحثة رئيسية في “تريندز”، مداخلة من زياد جمال، المدير العام لشركة غوغل كلاود في الإمارات وبلاد الشام وشمال أفريقيا، ركز خلالها على تأثير التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي على الدبلوماسية الإقليمية وإستراتيجية غوغل لدعم النمو في المنطقة.
وشدد جمال على أهمية التنظيم الفعال والثقة لتبني التكنولوجيا، داعياً إلى وضع لوائح مرنة تواكب التطورات، مشيراً إلى جهود غوغل في توطين الذكاء الاصطناعي للغة العربية عبر إدماجها في نموذج “Gemini” بالتعاون مع مؤسسات بحثية إقليمية.
أما الجلسة الأولى ” عصر جديد من الشراكات الأمريكية الخليجية ” أدارتها الإعلامية إيناس رفاعي من صحيفة “The National”، وناقشت أولويات العلاقات الأمريكية الخليجية من الابتكار التكنولوجي إلى التعاون الإستراتيجي.
وقال بلال صعب، مدير مكتب تريندز في الولايات المتحدة، إن العلاقات بين الجانبين تشهد تحولا من حماية المنشآت النفطية إلى حماية مراكز البيانات والبنى التحتية للذكاء الاصطناعي، مؤكداً أن الأمن لا يزال الركيزة الأساسية، فيما تعد التقنيات الناشئة محفزاً لتسريع التعاون الدفاعي.
من جانبها، أوضحت منى يعقوبيان من مركز “CSIS” أن المنطقة تمر بلحظة مفصلية تعيد تشكيل ملامحها، حيث باتت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في قلب إستراتيجيات التنويع الاقتصادي. وأشارت إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تركز على الشراكات الاقتصادية والأمنية، مع اعتماد التكنولوجيا أداة للنفوذ والتنمية.
من جهتها أكدت أليكسيس بونيل من شركة “OpenAI” أن نجاح الشراكات في الابتكار يعتمد على الثقة والرؤية المشتركة، داعية إلى التركيز على بناء القدرات البشرية والتشريعات الذكية إلى جانب التطوير التقني.
وأدار الجلسة الثانية “الأبعاد الجيوسياسية للذكاء الاصطناعي” عبدالعزيز الشحي، نائب رئيس قطاع البحوث في تريندز، وتحدث خلالها عدد من الخبراء حول دور الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل التعاون والمنافسة الدولية.
وأشار الدكتور إبراهيم سعيد الحجري، رئيس جامعة خليفة، إلى ست ركائز أساسية مكنت الإمارات من الريادة في الذكاء الاصطناعي، تشمل الطاقة النظيفة، وإنشاء وزارة للذكاء الاصطناعي، وتطوير النماذج اللغوية السيادية، وجذب المواهب، وإنشاء بيئات اختبار مرنة، وتحويل الأبحاث إلى مشاريع اقتصادية.
من جانبها، وصفت البروفيسورة صوفيا كالانتزاكوس من جامعة نيويورك أبوظبي التنافس بين الولايات المتحدة والصين بأنه منافسة مفرطة للسيطرة على القرن الحادي والعشرين، مشيرة إلى أن الطلب المتزايد على الطاقة أصبح عاملاً جيوسياسياً محورياً في سباق الذكاء الاصطناعي.
أما هنرييتا ليفين من “CSIS” فاعتبرت أن السباق الحالي يشبه سباق الفضاء، إذ تسعى الولايات المتحدة إلى تطوير الذكاء الاصطناعي العام AGI بدافع من أسواق رأس المال، بينما تركز الصين على التطبيق العملي السريع لتحقيق مكاسب إنتاجية.
من جهته، حذر ياسين وتلال، رئيس هندسة الأنظمة في شركة كراودسترايك، من أن الجهات المهددة بدأت بالفعل استخدام الذكاء الاصطناعي في الهجمات الإلكترونية، داعياً إلى موازنة الاستفادة من الابتكار مع إدارة مخاطره الأمنية.
وأشار عبدالله الخاجة، باحث في تريندز، إلى أن إطلاق ChatGPT عام 2022 أطلق سباقاً عالمياً للذكاء الاصطناعي يستدعي تشريعات دولية أكثر شمولية ومرونة.
وناقشت الجلسة الختامية “القوة الناعمة عبر الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية” التي أدارتها بولا نوفل من قناة CNN للأعمال العربية، كيف يعيد الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية تعريف القوة الناعمة والدبلوماسية العالمية.
وشارك فيها كل من الدكتور سعيد الظاهري، مدير مركز الدراسات المستقبلية بجامعة دبي، وويل تودمان من CSIS، وسامي حدادين من جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، ونجلاء المدفع من “تريندز”.
وأكد المتحدثون أن التكنولوجيا أصبحت أداة جديدة للتأثير الدولي، مشيرين إلى مبادرة ستارغيت بين الإمارات وشركتي OpenAI ومايكروسوفت كنموذج للتوازن بين الشراكة والاستقلال الرقمي.
وأوضحوا أن الإنسانية التكنولوجية تمثل جوهر القوة الناعمة الرقمية للإمارات القائمة على التعليم والأخلاق والاستشراف لبناء مستقبل مشترك.
وخلص الحوار إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح مصدر القوة الجيوسياسية الجديد، متجاوزاً الموارد الطبيعية والقوة العسكرية. ولم يعد مفهوم القوة الناعمة يقتصر على الثقافة والتعليم، بل يشمل أنظمة الهوية الرقمية والخدمات الذكية ونماذج الذكاء الاصطناعي.
وحذر الخبراء من تصاعد ما أطلقوا عليه القوة الحادة Sharp Power ، حيث تسعى بعض القوى الكبرى إلى فرض تبعية رقمية عبر تصدير نماذج تكنولوجية غير شفافة، مؤكدين أن نجاح التحول العالمي يتوقف على بناء الثقة والحوكمة الأخلاقية.
وأجمع المتحدثون على أن تجربة الإمارات في الذكاء الاصطناعي تشكل نموذجاً متوازناً يجمع بين القدرات السيادية والشراكات العالمية، عبر بناء بنية تحتية سيادية للذكاء الاصطناعي ومراكز بيانات ضخمة تدعم الأمن السيبراني، وتنويع الشراكات مع الشرق والغرب لضمان استقلال القرار التكنولوجي.
وأكد المشاركون أن البيئة التنظيمية المرنة في الإمارات تمنحها ميزة تنافسية عالمية، وتوفر بيئة اختبار آمنة للتقنيات الجديدة، مما يعزز الثقة الدولية في بنيتها الرقمية.
وأجمعوا على أن مستقبل القوة في عصر الذكاء الاصطناعي سيتحدد بقدرة الدول على بناء قدراتها المحلية، واعتماد حوكمة شفافة ومسؤولة، واستخدام الشراكات التكنولوجية كأداة دبلوماسية لتعزيز النفوذ العالمي، حيث إن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تقنية، بل أصبح لغة جديدة للدبلوماسية، وأداة لصياغة مستقبل أكثر توازناً وعدالة في النظام الدولي.







