المنارة: عمان
صدر حديثًا عن دار ورد الأردنية للنشر والتوزيع كتاب «ابن الأستاذ.. يوميات عائلة فلسطينية 1915–1967م» للكاتب نزار محمد أحمد بدران.
ويعيد هذا العمل الأدبي إحياء ذاكرة عائلة فلسطينية امتدت لأكثر من خمسين عامًا. كما يقدم قراءة معمقة للمكان والإنسان والتحولات التي شهدتها فلسطين خلال مرحلة حساسة من تاريخها.
ذاكرة عائلة فلسطينية
لا يقدم بدران في كتابه سيرة شخصية بالمعنى التقليدي. بل يفتح نافذة على ذاكرة عائلة ارتبطت تفاصيل حياتها اليومية بتاريخ فلسطين.
وينتقل السرد بين البيت والأرض والعائلة وطفولة القرية. ثم يصل إلى الفقد والهجرة والمنفى والحنين. وظل هذا الحنين حاضرًا رغم مرور السنوات وتبدل الأماكن.
ومن سلوان والقدس وجبل الزيتون وجبل المكبر، يستعيد الكاتب ملامح طفولته. ويتذكر البيوت الحجرية وبساتين القرية وقنوات الري ورائحة الخبز وأصوات الأطفال.
وهكذا، تتحول التفاصيل الصغيرة إلى شواهد إنسانية على حياة كاملة. كما تكشف هذه التفاصيل ملامح مرحلة سبقت التحولات الكبرى التي عرفتها فلسطين.
أفراد العائلة في كتاب ابن الأستاذ
يستحضر المؤلف أفراد عائلته واحدًا تلو الآخر. لكنه لا يقدمهم بوصفهم أسماء في شجرة نسب فقط، بل يربط كل شخصية بذاكرة المكان.
فالأم تعلمه أول أحرف الأبجدية، بينما يغرس الأب فيه حب العلم والتعلم. أما الجدة آمنة، فتمثل له معنى الحب المطلق.
وفي المقابل، يزرع الجد أحمد «أبو علي» داخله ارتباطًا عميقًا بالأرض. وينظر الكاتب إلى الأرض باعتبارها الأم التي تمنح الإنسان الحياة وتحتضنه في نهايتها.
الفقد والهجرة والمنفى
بين ذكريات الطفولة وصور البحر والأشجار والبيوت، تظهر التحولات القاسية التي طالت العائلة والوطن. ومع مرور الأحداث، يصبح الفقد جزءًا أساسيًا من السيرة.
كذلك، تمثل الهجرة نقطة فاصلة بين حياة بقيت في الذاكرة وأخرى فرضتها الظروف بعيدًا عن المكان الأول. لذلك، يحتفظ الكتاب بمساحة واضحة للحنين واستعادة الماضي.
فلسطين حاضرة في المنفى
يمتد السرد لاحقًا إلى لوس أنجلوس، حيث عاش الكاتب سنوات طويلة. ومع ذلك، لم تستطع المسافة الجغرافية فصل ذاكرته عن فلسطين.
وظلت رسائل العائلة القادمة من الوطن خيطًا يربط المنفى بالمكان الأول. وفي الوقت نفسه، بقيت فكرة العودة حاضرة خلال السنوات الطويلة التي قضاها بعيدًا عن فلسطين.
تفاصيل صغيرة تحفظ الذاكرة
يتميز «ابن الأستاذ.. يوميات عائلة فلسطينية 1915–1967م» بلغة تمزج بين السيرة والتأمل والذاكرة والتوثيق.
وتتحول الأشياء البسيطة إلى مفاتيح لاستعادة زمن كامل. ومن بينها شجرة الكستناء وماء قنوات الري ورمل الشاطئ ورسائل العائلة ورائحة الخبز وثمر التين.
كما تصبح هذه التفاصيل رموزًا لعلاقة الإنسان الفلسطيني بأرضه وعائلته وذاكرته. ومن خلالها، يقترب القارئ من الحياة اليومية بعيدًا عن السرد المجرد.
سؤال الحكاية وذاكرة الوطن
في أحد أكثر أسئلة الكتاب تعبيرًا عن روحه، يتساءل الكاتب عن جدوى تدوين حكايته. كما يتساءل عما إذا كانت تختلف عن حكايات الآخرين بما يكفي لتُروى.
لكن الكتاب يقدم إجابته الخاصة على هذا السؤال. فقد تتحول حكاية الفرد إلى ذاكرة لعائلة، ثم تصبح ذاكرة العائلة جزءًا من ذاكرة وطن بأكمله.
ويأتي «ابن الأستاذ.. يوميات عائلة فلسطينية 1915–1967م» ضمن إصدارات دار ورد الأردنية للنشر والتوزيع. ويضيف الكتاب إلى المكتبة الفلسطينية والعربية شهادة إنسانية تستعيد التاريخ من خلال تفاصيل الحياة اليومية.
وبعيدًا عن السرد السياسي المجرد، يمنح العمل الذاكرة العائلية مكانتها كأحد أشكال حفظ التاريخ من النسيان. كما يقدم تجربة تجمع بين الحكاية الشخصية وذاكرة المكان والتحولات التي عاشتها فلسطين.








