المنارة / دمشق – فادي المطلق –
شادي المطلق – هلا حاج شحود /
تصوير وائل تحسين بيك
في لحظة مسرحية استثنائية، نجحت مسرحية «بروفة يوم الحساب» في تجاوز حدود العرض الفني التقليدي لتصبح مساحة مفتوحة للأسئلة الكبرى التي تشغل وجدان السوريين اليوم. فمن فوق خشبة مسرح الحمراء بدمشق، لم يكن الجمهور أمام حكاية درامية مكتملة بقدر ما كان أمام مواجهة مباشرة مع الذاكرة والعدالة والحقيقة، في عمل اختار أن يلامس أكثر الملفات حساسية وإيلاماً دون شعارات أو أحكام جاهزة.
وبينما انشغل كثير من الأعمال الفنية بسرد الوقائع أو استعادة الأحداث، ذهبت «بروفة يوم الحساب» نحو منطقة أكثر جرأة؛ منطقة الأسئلة المؤجلة التي ما زالت تبحث عن إجاباتها في وجدان الناس قبل المؤسسات.

في هذا اللقاء الخاص مع «المنارة»، يتحدث المخرج ماهر صليبي وأبطال العمل يارا صبري وروبين عيسى وجابر جوخدار عن رؤيتهم للعمل، وعن الرسائل التي أرادوا إيصالها، وعن الدور الذي يمكن أن يؤديه المسرح في زمن تتشابك فيه الذاكرة مع البحث عن العدالة.

ماهر صليبي: المسرح ليس مكاناً للإجابات الجاهزة
يرى المخرج ماهر صليبي أن القيمة الحقيقية للعمل تكمن في قدرته على إثارة التفكير لا تقديم الأحكام، مؤكداً أن «بروفة يوم الحساب» لم تُصنع لاستحضار الماضي فقط، بل لمساءلة الحاضر واستشراف المستقبل.
ويقول: «منذ انطلاقة المشروع كان هدفنا أن نفتح باب الحوار حول الأسئلة التي ما زالت معلقة داخل المجتمع. لم نرد أن نقدم عملاً يوثق مرحلة زمنية أو يستعيد أحداثاً معروفة، بل سعينا إلى خلق حالة من التأمل الجماعي حول معنى العدالة والحقيقة وكيف يمكن للإنسان أن يتعامل مع ذاكرته».
ويضيف أن عنوان العمل قد يقود البعض إلى تأويلات مختلفة، لكنه يحمل في جوهره معنى إنسانياً بحتاً: «يوم الحساب هنا ليس مفهوماً أخروياً، بل لحظة مواجهة بين إنسان وآخر، بين ضحية وجلاد، وبين ما نتذكره وما نحاول أن نفهمه».
وعن اختيار قبو الخياطة كمكان للأحداث، يوضح صليبي أن المكان جاء محملاً بدلالات رمزية عميقة: «القبو يمثل العزلة والخوف والذاكرة الثقيلة، أما الخياطة فترمز إلى الترميم وإعادة البناء. أردنا أن يكون المكان انعكاساً لمجتمع يحاول أن يلملم ما تمزق فيه خلال سنوات طويلة».
وحول دور الفن في مسار العدالة، يؤكد أن المسرح لا يمكن أن يكون بديلاً عن القانون، لكنه قادر على فتح الملفات المغلقة وإعادة طرح الأسئلة الضرورية، مضيفاً: «الفن يسلط الضوء على الجراح ويجعلها مرئية، أما العدالة فتحتاج إلى مؤسسات وقوانين وإرادة حقيقية».

يارا صبري: الحقيقة هي الخطوة الأولى نحو العدالة
من جهتها، تؤكد الفنانة يارا صبري أن شخصية «سما» كانت من أكثر الشخصيات قرباً إلى قناعاتها الإنسانية، لأنها تمثل الإيمان بالقانون حتى في أشد لحظات الألم.
وتقول: «ما شدني إلى سما أنها لا تنكر الوجع ولا تتجاهل المأساة، لكنها ترفض أن يتحول الألم إلى وسيلة لإصدار الأحكام. الشخصية تؤمن أن العدالة الحقيقية لا تقوم على الانتقام، بل على كشف الحقيقة وتحقيق الإنصاف».
وترى صبري أن العمل يلامس إحدى أكثر القضايا إلحاحاً في الوجدان السوري، وهي قضية المعتقلين والمفقودين، مؤكدة أن البحث عن الحقيقة يبقى حقاً إنسانياً لا يمكن تجاوزه.
وتضيف: «هناك عائلات ما زالت تعيش على الانتظار، وما زالت تبحث عن إجابة واحدة تطمئن قلوبها. لذلك فإن معرفة الحقيقة ليست مطلباً سياسياً فقط، بل ضرورة إنسانية وأخلاقية».
وعن الرسالة التي تأمل أن تصل إلى الجمهور، تقول: «أتمنى أن يغادر المشاهد الصالة وهو يفكر أكثر مما يحكم، لأن العدالة ليست قراراً سريعاً، بل رحلة طويلة تحتاج إلى شجاعة وصبر ووعي».

روبين عيسى: ثريا تحمل وجع الذاكرة وصوت الناجين
أما الفنانة روبين عيسى، فتصف شخصية «ثريا» بأنها واحدة من أكثر الشخصيات الإنسانية التي قدمتها على المسرح، لما تحمله من مشاعر متناقضة وأسئلة مؤلمة.
وتوضح: «ثريا ليست شخصية غاضبة تبحث عن الثأر، بل إنسانة تبحث عن الحقيقة. هي امرأة تحمل داخلها ذاكرة ثقيلة، وتحاول أن تجد معنى لكل ما مرت به».
وتؤكد أن مسؤولية تجسيد هذه الشخصية كانت كبيرة، لأنها تمثل شريحة واسعة من الأشخاص الذين ما زالت آثار التجارب القاسية حاضرة في تفاصيل حياتهم اليومية.
وتقول: «خلف كل قصة فقد أو اعتقال أو غياب هناك إنسان يعيش صراعاً داخلياً لا يراه الآخرون. حاولت أن أقترب من هذه الحالة الإنسانية وأن أنقلها بأكبر قدر ممكن من الصدق».
وعن تفاعل الجمهور، تشير عيسى إلى أن الصمت الذي كان يخيّم على القاعة في بعض المشاهد كان أبلغ من أي تصفيق.
وتضيف: «شعرنا أن كثيراً من الحاضرين كانوا يعيشون التجربة معنا لحظة بلحظة. رأينا دموعاً وتأثراً حقيقياً، وهذا أكبر دليل على وصول الرسالة».

جابر جوخدار: العدالة تحتاج إلى الفهم والمحاسبة معاً
الفنان جابر جوخدار يرى أن أكثر ما يميز شخصيته في العمل أنها تبتعد عن الصور النمطية المعتادة، وتدفع الجمهور إلى التفكير في طبيعة العنف وكيفية تشكله داخل المجتمعات.
ويقول: «لم أرد تقديم شخصية شريرة بالمعنى التقليدي، لأن الواقع أكثر تعقيداً من هذه الصورة المبسطة. كان هدفي أن أطرح أسئلة حول الظروف التي تدفع الإنسان إلى أن يصبح جزءاً من منظومة عنف».
ويشدد على أن محاولة الفهم لا تعني أبداً تبرير الجريمة أو التقليل من خطورتها، موضحاً: «يمكن أن نفهم الأسباب التي أدت إلى وقوع الانتهاكات، لكن ذلك لا يلغي ضرورة المحاسبة. العدالة الحقيقية تقوم على الفهم والمساءلة في الوقت نفسه».
ويعتبر أن واحدة من أهم نقاط قوة المسرحية أنها لم تمنح الجمهور إجابات جاهزة، بل دفعته إلى مغادرة الصالة وهو يحمل المزيد من الأسئلة.
ويختتم حديثه قائلاً: «إذا خرج المشاهد وهو يفكر فيما رآه ويحاول أن يفهمه، فهذا يعني أن المسرح نجح في أداء رسالته. الحقيقة لا تموت، والعدالة ليست انتقاماً، بل طريق طويل يبدأ بالاعتراف وينتهي بالإنصاف».

ما بين الفن والحقيقة
في «بروفة يوم الحساب» لا يقف المسرح عند حدود التمثيل، بل يتحول إلى مساحة للتأمل الجماعي في واحدة من أكثر القضايا الإنسانية تعقيداً: كيف يمكن للإنسان أن يواجه ماضيه دون أن يفقد إيمانه بالمستقبل؟
هكذا بدا العرض في نظر صُنّاعه؛ ليس محكمة تصدر الأحكام، ولا منصة تقدم الحلول، بل نافذة واسعة على الأسئلة التي ما زالت تنتظر إجاباتها. وربما في هذا تحديداً تكمن قوة العمل؛ أن يترك الجمهور وجهاً لوجه أمام الحقيقة، وأن يذكره بأن العدالة تبدأ دائماً من الاعتراف، وأن الذاكرة، مهما حاول الزمن إخفاءها، تبقى شاهدة على ما كان وما يجب ألا يتكرر.












