المنارة / باريس
في أسبوع الموضة الرجالية في باريس، قدّم كل من جوناثان أندرسون وفاريل ويليامز رؤيتين متكاملتين لصياغة الرجولة المعاصرة.
لكن كلٌ منهما بطريقته الخاصة: الأول يعيد قراءة إرث دار ديور من خلال لغة حداثية ذكية.
بينما يحوّل الثاني عرض لويس فويتون إلى تجربة سينمائية تعيشها القطع داخل “منزل” متكامل.
وبذلك لم تكن عروضهما مجرد استعراض أزياء، بل بيانات بصرية وفكرية عن الهوية والرفاهية والحرية.

ديور: تفكيك الكلاسيكية وبناء رجولة جديدة
في عرضٍ رسّخ مكانته كأحد أبرز المصممين في مشهد الموضة المعاصرة.
كما قدّم جوناثان أندرسون مجموعته الرجالية الثانية لدار ديور.
بينما أكد قدرته على قراءة إرث الدار العريق وإعادة صياغته برؤية جريئة.
ومنذ اللحظات الأولى، بدا واضحًا أنه اختار الابتعاد عن القوالب التقليدية للأزياء الرجالية.
مفضلاً تفكيك شيفرات ديور الكلاسيكية وإعادة تركيبها بأسلوب حداثي.
فقد اتسمت المجموعة بالقصّات المحكمة والطبقات المدروسة، مع استخدام الخامات الفاخرة التي تعكس احترامًا عميقًا للحرفية.
لكن في الوقت نفسه حملت نفَساً تجريبياً يعبّر عن مصمم لا يخشى المخاطرة.
وفي هذا الإطار، يأتي استلهامه الواضح من إرث بول بواريه كأحد أبرز قراراته الطموحة هذا الموسم، إذ لم يأتِ الاستلهام على شكل اقتباسات مباشرة.
بل ظهر كروح عامة تحرّرت من الصرامة واحتفت بالأناقة بوصفها تعبيرًا شخصيًا عن الترف غير المقيّد.
وبذلك نجح أندرسون في خلق حوار بصري بين ديور وبواريه، بين البنية الصارمة والخيال المنطلق.
وفي مجموعة خريف وشتاء 2026، تواصل الدار بناء سردية تجمع بين الأرستقراطية التاريخية وطاقة الشارع المعاصرة.
لتطرح ما يمكن وصفه بـ«الأرستو-شباب»؛ جيل أنيق ومتمرّد في آنٍ واحد.
بينما يتجوّل في شوارع باريس كمتأمل معاصر يستلهم الماضي دون أن يعيش فيه.
أما الذروة الحقيقية في السردية فكانت الإشارات الرمزية المرتبطة بشارع مونتين.
حيث يلتقي تاريخ ديور مع ذاكرة الموضة الباريسية الأوسع.
ومن هذه النقطة، تنطلق المجموعة لتقدّم ماضياً مترفاً يُعاد تأويله بلغة الحاضر، من دون حنين مفرط أو تقليد مباشر.
بينما يؤكد هذا العرض أن أندرسون لا يسعى فقط إلى تصميم ملابس، بل إلى إعادة تعريف مفاهيم راسخة في الأزياء الرجالية.
وأن احترام التراث لا يتعارض مع الجرأة بل يمكن أن يكون منطلقاً لابتكار مستقبل أكثر حداثة.
لويس فويتون: تجربة سينمائية في أسبوع الموضة الرجالية في باريس
وفي مسارٍ متوازٍ، افتتح المصمم والمخرج الإبداعي لقطاع الأزياء الرجالية في لويس فويتون، فاريل ويليامز، عرض الدار الخاص بموسم خريف/شتاء 2026.
في حدث حمل طابعًا احتفاليًا بمناسبة عام الاحتفال بظهور شعار المونوغرام الشهير.
فالعرض الذي أقيم داخل فضاء مؤسسة لويس فويتون يوم 20 يناير 2026، لم يكن عرض أزياء تقليديًا بقدر ما كان مشهداً سينمائياً متكاملاً.
حيث استخدم هندسة معمارية حديثة وبيت زجاجي شفاف وسط حديقة داخلية كخلفية لكل الإطلالات.
ومن ناحية الفكرة، كانت المحورية في الربط بين البيت اليومي وتراث السفر لدى الدار.
حيث بنيت مسرحية العرض حول هيكل زجاجي سكني أُطلق عليه اسم DROPHAUS، بالتعاون مع مكتب التصميم الياباني NOT A HOTEL.
كما تحرك العارضون وكأنهم يسيرون داخل منزل، مع قطع أثاث وحياة يومية مُصمَّمة خصيصًا لتعكس فكرة السكن العملي والجمالي معًا.
وهنا، سمح هذا المناخ لقطع الملابس بأن تتنفس في سياق «المعيشة»، وليس فقط كقطع عرضية.
أما على مستوى التصميم، فقد امتلأت المجموعة بمراجع من سبعينيات القرن الماضي ممزوجة بعناصر عملية معاصرة:
بدلات مع باركات وسترات شعرية ومنتفخة تحمل شعار المونوغرام، بناطيل واسعة، معاطف مزدوجة الصدر، وأحذية أوكسفورد لامعة.
فيما تراوح طيف الألوان بين النيود والرمادي والبني، مع لمسات جريئة أحيانًا مثل الأحمر الداكن والورديات الزاهية، ما كشف توازنًا بين الحيادية والجرأة.
كما تضمنت المجموعة تفاصيل تذكر بتراث السفر لدى الدار، من حقائب مقوّاة إلى قطع تحمل نقوشًا تعيد تفسير الصندوق الرحلي الكلاسيكي.
ولا يخفى أن الحدث لم يفتُ عن استدعاء نجوم من عالم الموسيقى والسينما والمجتمع، ما منح العرض هالة شعبية وثقافية إلى جانب بعده الفني.
بينما كانت الموسيقى الحية جزءًا من السرد، حيث أدّت أوركسترا وكورال غوسبل مقاطع تداخلت فيها إيقاعات الهيب هوب، لتكوين تجربة سمعية بصرية متكاملة.


























