دبي تستثمر في الإنسان.. بقلم د. علي الدكروري

عندما نتحدث عن الاستثمار في مدينة مثل دبي، يتجه التفكير عادة إلى الأبراج والمطارات والطرق والموانئ والمشروعات الكبرى.

لكن هناك نوعًا آخر من الاستثمار قد يكون أقل ظهورًا في الصور، وأكثر تأثيرًا على المدى الطويل: الاستثمار في الإنسان الذي يعيش ويعمل داخل المدينة.

فالمدينة الحديثة لا تتنافس فقط على جذب الشركات ورؤوس الأموال، بل على جذب العقول والكفاءات والأسر، ثم توفير البيئة التي تجعلهم يرغبون في البقاء والإنتاج وبناء مستقبلهم فيها.

ومن هنا أصبحت جودة الحياة جزءًا من الاقتصاد نفسه.

الإنسان المنتج يحتاج إلى حياة جيدة

الموظف لا يعيش داخل مكتبه، ورجل الأعمال لا يتخذ قرار الانتقال إلى مدينة جديدة بناءً على الضرائب وحدها.

هناك أسئلة أخرى أصبحت تدخل في قرار الإنسان والشركة معًا:

هل المدينة آمنة؟
هل المدارس جيدة؟
هل الرعاية الصحية متاحة؟
هل توجد مساحات للرياضة والترفيه؟
وهل تستطيع الأسرة أن تعيش حياة متوازنة؟

هذه التفاصيل قد تبدو اجتماعية، لكنها تتحول في النهاية إلى ميزة اقتصادية.

فالشركة التي تستطيع جذب موظفين جيدين والاحتفاظ بهم تصبح أكثر إنتاجية، والمدينة التي تجذب الكفاءات تصبح أكثر قدرة على جذب الشركات والاستثمارات.

160 ألف مشارك… والرسالة أكبر من الرياضة

من الأمثلة الحديثة التي لفتت انتباهي مبادرة «دبي مولاثون»، التي اختتمت دورتها الثانية بمشاركة تجاوزت 160 ألف شخص من مختلف الأعمار والجنسيات، سجلوا مجتمعين أكثر من 290 مليون خطوة خلال ثلاثة أشهر.

قد يبدو الأمر في ظاهره فعالية رياضية.

لكن الفكرة أعمق.

فبدل أن يقال للإنسان فقط: «مارس الرياضة»، جرى تعديل البيئة نفسها لتجعل ممارسة الرياضة أسهل، حتى خلال أشهر الصيف.

وهذه فلسفة مهمة في إدارة المدن:

إذا أردت تغيير سلوك الإنسان، فاجعل البيئة المحيطة به تساعده على هذا التغيير.

جودة الحياة ليست رفاهية

دبي وضعت هذا المفهوم داخل استراتيجية أوسع لجودة الحياة حتى عام 2033، تتضمن أكثر من 200 مشروع ومبادرة، وتربط بصورة مباشرة بين الصحة الجسدية والنفسية، والتعليم والمهارات، وظروف العمل، والأمن، والعلاقات المجتمعية، وقدرة الإنسان على الإنتاج.

وهنا أرى نقطة اقتصادية مهمة.

لفترة طويلة كان يُنظر إلى جودة الحياة باعتبارها نتيجة للنمو الاقتصادي: عندما تصبح الدولة أغنى، تستطيع أن توفر حياة أفضل.

لكن الاقتصاد الحديث بدأ يكشف العلاقة العكسية أيضًا:

جودة الحياة نفسها تستطيع أن تصنع النمو.

فالإنسان الأكثر صحة يستطيع العمل بصورة أفضل.

والأسرة الأكثر استقرارًا توفر بيئة أفضل لبناء الأجيال.

والموظف الذي يعيش بتوازن أكبر يصبح أكثر قدرة على الابتكار والإنتاج.

الأسرة أيضًا أصل اقتصادي

وفي عام الأسرة 2026، توسعت دبي في مبادرات تستهدف الاستقرار الأسري والمجتمعي، من برامج دعم تأسيس الأسر إلى تطوير مجالس الأحياء وتعزيز الصحة واللياقة للموظفين.

وقد استفادت أكثر من 1,100 أسرة إماراتية من المرحلة الأولى من بعض برامج دعم الأسرة، إلى جانب مبادرات للتوعية المالية والاستقرار والتخطيط للحياة.

قد نتعامل مع هذه الأرقام باعتبارها اجتماعية فقط.

لكن الأسرة المستقرة جزء من الاقتصاد أيضًا.

فهي المكان الأول الذي يتعلم فيه الإنسان المسؤولية، والادخار، والتخطيط، والعمل، والالتزام.

ولهذا فإن الاستثمار في الأسرة ليس بعيدًا عن الاستثمار في رأس المال البشري.

لماذا تهتم الشركات بهذه الأمور؟

عندما تفكر شركة عالمية في اختيار مقر إقليمي، فهي تدرس تكلفة المكتب والضرائب وسهولة الأعمال.

لكنها تسأل أيضًا:

هل يستطيع المدير التنفيذي الانتقال مع أسرته؟

هل سيجد موظفوه مدارس ومستشفيات ونمط حياة مناسبًا؟

هل تستطيع الشركة استقطاب كفاءات من دول مختلفة والاحتفاظ بها لسنوات؟

ومن هنا تصبح جودة المدينة جزءًا من عرضها الاستثماري.

فالمدينة التي يفضل الناس العيش فيها تصبح في كثير من الأحيان مدينة تفضل الشركات الاستثمار فيها.

الاقتصاد ليس أرقامًا فقط

الناتج المحلي والاستثمارات والصادرات مؤشرات أساسية لأي اقتصاد.

لكن خلف كل رقم يوجد إنسان.

عامل ينتج.

مهندس يبتكر.

رائد أعمال يخاطر.

أسرة تخطط للمستقبل.

وموظف يقرر كل صباح مقدار الطاقة التي سيضعها في عمله.

ولهذا فإن الاقتصادات القوية لا تبني المصانع فقط، بل تبني أيضًا البيئة التي تجعل الإنسان قادرًا على تشغيل هذه المصانع وتطويرها وصناعة قيمة جديدة منها.

وفي رأيي، هذه واحدة من الرسائل المهمة في تجربة دبي:

أن الاستثمار في الإنسان لا يأتي بعد بناء المدينة، بل هو جزء من بناء المدينة نفسها.

فالطريق والمطار والميناء أصول مهمة، لكن الإنسان الذي يستخدمها ويبتكر فوقها هو الأصل الذي يمنحها قيمتها الحقيقية.

خلاصة الدكروري

دبي لا تستثمر في الإنسان باعتباره مستفيدًا من التنمية فقط، بل باعتباره صانعها. فكل استثمار في صحة الإنسان، واستقرار الأسرة، وجودة الحياة، والتعليم والمهارات، يعود في النهاية على الاقتصاد في صورة إنتاجية أعلى، وكفاءات أكثر قدرة على الابتكار، ومدينة أكثر جاذبية للعيش والعمل والاستثمار.

فالمدن القوية لا تُبنى بالمشروعات وحدها، بل بالإنسان القادر على إعطاء هذه المشروعات قيمتها الحقيقية.

د. علي الدكروري
رائد أعمال ومستشار استراتيجي دولي في الاستثمار والتنمية الاقتصادية

📎 رابط مختصر للمقال: https://almanara.media/?p=75693
تم وضع علامة:
شارك هذه المقالة