المنارة / دبي
تشهد أقسام الطوارئ في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ارتفاعاً متواصلاً في أعداد المراجعين خلال السنوات الأخيرة، فيما تسلط البيانات الحديثة الضوء على حجم هذا النمو. ففي مستشفى كينغز كوليدج لندن دبي، أظهر تحليل شمل 15,679 زيارة ارتفاع الحالات المرتبطة بالإصابات بنسبة 66% بين عامي 2021 و2025، في حين سجلت حالات الأمراض غير المعدية زيادة بنسبة 44% خلال الفترة نفسها.
وبالتزامن مع تنامي الضغط على خدمات الرعاية الطارئة، تحقق بعض دول المنطقة تقدماً ملحوظاً في تعزيز سرعة الاستجابة للحالات الطارئة. ففي المملكة العربية السعودية، على سبيل المثال، انخفض متوسط زمن الاستجابة للحالات الطارئة من 25 دقيقة في عام 2016 إلى 10 دقائق في عام 2025.
ومع استمرار نمو الطلب على خدمات الطوارئ، في ظل محدودية أعداد الكوادر الطبية المؤهلة، يبرز تساؤل مهم أمام مؤسسات التعليم الطبي حول أفضل السبل لإعداد أطباء المستقبل للعمل في أقسام الطوارئ، حيث يتعين عليهم التعامل مع مرضى يصلون دون تشخيص واضح، واتخاذ قرارات حاسمة خلال وقت قصير، والتكيف مع بيئة عمل سريعة ومتغيرة باستمرار.
ففي كلية الطب بجامعة سانت جورج في غرينادا، يبدأ إعداد الطلاب لهذه التحديات قبل سنوات من دخولهم بيئة المستشفى. ويوضح الدكتور روبرت غرانت، نائب العميد الأول للدراسات السريرية في الكلية، أن تقنيات المحاكاة أصبحت جزءاً أساسياً من مرحلة ما قبل التدريب السريري، وتشمل التعامل مع مرضى معياريين، وسيناريوهات محاكاة متقدمة، وتمارين قائمة على حالات مصممة لتعكس مواقف سريرية واقعية.
وقال الدكتور غرانت: “تتيح التجارب التعليمية القائمة على المحاكاة للطلاب التعرف إلى مجموعة من حالات الرعاية الحادة، بما في ذلك الإصابات والحالات القلبية الطارئة وضيق التنفس والصدمة، كما تمنحهم الفرصة لممارسة التقييم السريري والتواصل والعمل الجماعي واتخاذ القرارات ضمن بيئة تعليمية آمنة”.
وأضاف “ويتعرّف الطلاب كذلك إلى التقنيات المستخدمة على نطاق واسع في بيئات الرعاية الصحية الحديثة، بما في ذلك السجلات الصحية الإلكترونية، وتفسير صور الأشعة التشخيصية، وأدوات دعم القرار السريري المستخدمة في نقطة تقديم الرعاية. وبحلول مرحلة التدريب السريري، يكون الطلاب قد اكتسبوا فهماً عملياً لطبيعة العمل في أقسام الطوارئ، وما تتطلبه من سرعة في الاستجابة، وقدرة على التعامل مع الحالات المعقدة، وتعاون وثيق بين مختلف أعضاء الفريق الطبي”.
ويستند هذا النهج إلى إدراك أن أحد أبرز التحديات التي قد تواجه الأطباء الجدد في أقسام الطوارئ لا يتمثل في نقص المعرفة النظرية فحسب، بل في القدرة على توظيف هذه المعرفة والتفكير واتخاذ القرارات المناسبة تحت الضغط. ومن هنا، تبرز أهمية إتاحة الفرصة للطلاب منذ المراحل المبكرة للتعامل مع حالات ومشكلات تحاكي الواقع السريري، بما يساعدهم على الربط بين العلوم والمعارف التي يكتسبونها والقرارات التي سيُطلب منهم اتخاذها في الممارسة الطبية، بدلاً من التركيز على استرجاع المعلومات وحفظها فقط.
في حين أكد الدكتور غرانت: “يتعلم الطلاب كيفية تحديد المؤشرات السريرية الحرجة، والتعرف إلى علامات تدهور حالة المريض، وترتيب أولويات الرعاية، وهي مهارات ترتبط بصورة مباشرة بطبيعة العمل في طب الطوارئ. ومن خلال التعامل المتكرر مع الحالات السريرية قبل بدء التدريب في المستشفيات، يطور الطلاب الثقة في قدراتهم التشخيصية ومهارات التفكير التحليلي اللازمة لأداء مهامهم بكفاءة خلال التدريب السريري وفي مسيرتهم المهنية لاحقاً”.
وفي الوقت نفسه، باتت كليات الطب التي تولي تدريب أطباء المستقبل على طب الطوارئ أهمية متزايدة، تضع رفاه الطلاب والحد من مخاطر الاحتراق الوظيفي ضمن أولوياتها التعليمية، بدلاً من التعامل معها كتحديات تظهر في مراحل لاحقة من المسيرة المهنية. وفي جامعة سانت جورج، يتلقى الطلاب الدعم منذ المراحل الأولى من دراستهم من خلال المرشدين الأكاديميين وأعضاء هيئة التدريس وخدمات الإرشاد وبرامج تعزيز الرفاهية وشبكات دعم الأقران.
وأردف الدكتور غرانت: ” “تُعد دراسة الطب رحلة تتطلب جهداً كبيراً على المستويين الفكري والعاطفي، ولذلك يمثل دعم رفاه الطلاب عنصراً أساسياً في رسالتنا التعليمية”.
كما تشكل المراجعة الذاتية والتأمل في التجارب والممارسات جزءاً مهماً من العملية التعليمية، حيث يتعلم الطلاب كيفية التواصل مع المرضى وعائلاتهم خلال الأزمات، والتعامل مع التجارب الصعبة ومراجعتها بطريقة تساعدهم على تطوير قدرتهم على التكيف والتعامل مع ضغوط المهنة. وفي تخصص يتسم بمستويات مرتفعة من الضغوط المهنية، لا يمكن النظر إلى هذا النوع من الدعم باعتباره عنصراً إضافياً، بل جزءاً أساسياً من إعداد أطباء قادرين على مواصلة مسيرتهم المهنية في طب الطوارئ بكفاءة واستدامة.








