حين تغيب الأخت إلى بيتها ، لا يبقى الإنسان وحيدًا ما دام حوله قلب أمٍّ يحبه ، وقلب جدّةٍ يدعو له ، وقلب خال يحيطه من كل جانب .. فبعض الفراغات لا يملؤها النسيان ، وإنما يملؤها مزيد من الحب والاهتمام ..
لا تحزني لأن فصلًا من حياتك انتهى ، بل افرحي لأن فصلًا آخر بدأ .. فصلٌ تبقى فيه الأخت أختاً مهما ابتعدت ، وتقترب فيه الأم أكثر فأكثر حتى تصبح رفيقة قلب وسند روح ..
وما دام الحب حاضرًا ، فلن يبقى الفراغ كما هو ، بل سيمتلئ بالنور شيئًا فشيئًا ..
يا صاحبة القلب الجميل ..
يا ريّان ..
منذ ذلك اليوم الذي رحلت فيه أختك إلى بيتها الجديد ، لم يتغير الأثاث في غرفتك فقط ، بل تبدّل شيء عميق في روحك أيضًا .
فقد كانت أختك أكثر من أخت ، كانت رفيقة العمر ، وشاهدة طفولتك ، وحافظة أسرارك ، ووجهًا اعتدتِ أن تريه كل صباح وكل مساء . كانت جزءًا من تفاصيل يومك حتى أصبح حضورها أمرًا لا يحتاج إلى تفكير ، تماما كما لا يفكر الإنسان في الهواء الذي يتنفسه إلا حين يفتقده ..
لذلك لا تستغربي ذلك الفراغ الذي سكن قلبك يومها ، ولا تلك الوحشة التي زارت وسادتك في أول ليلة غابت فيها عن جواركِ .
فالأرواح حين تألف أرواحًا أخرى لا تتعلم الغياب بسهولة ، والقلوب الوفية تحتاج إلى وقت حتى تعيد ترتيب مشاعرها وتعتاد شكل الحياة الجديدة ..
لكن يا عزيزتي ، هناك حقيقة جميلة قد تخفف عنك بعض ما تجدينه في صدرك ، وهي أن أختك لم ترحل منك ، وإنما رحلت معك . أخذت مكانها في قلبك وانتقلت إلى بيت آخر ، أما محبتها فلم تغادر ، واما الرابط الذي بينكما فلم تقطعه الأيام ولن تقطعه المسافات ..
ستكتشفين مع الوقت أن الحب الحقيقي لا يحتاج إلى جدار مشترك ، ولا إلى غرفة واحدة ليبقى حيّاً ..
قد تتباعد الأماكن ، لكن الأرواح التي جمعها الله بالمودة تبقى متجاورة مهما ابتعدت الخطوات .
وأريد أن أهمس لك بنصيحة أرجو أن تتأمليها بقلبك قبل عقلك ..
لا تنظري إلى الفراغ الذي تركته أختك في حياتك ، بل انظري أيضًا إلى الفراغ الذي يحيط بأمك . تلك الأم التي فقدت شريك عمرها ، والتي حملت من الذكريات ما ينوء بحمله الجبال ، ثم وجدت نفسها ترى ابنتها الأخرى تبدأ حياة جديدة بعيدة عنها ..
ربما كنتِ تظنين أنك الوحيدة التي تشعرين بالوحدة ، لكن أمك ربما تخفي في قلبها من الشوق والحنين أضعاف ما تخفينه أنت . غير أن الأمهات اعتدن أن يخبئن أحزانهن خلف ابتسامة هادئة حتى لا يثقلن على أبنائهن ..
اقتربي منها أكثر .
اجلسي إلى جوارها دون مناسبة ..
اسأليها عن أيامها القديمة ..
دعيها تحدثك عن قصص شبابها ، وعن أحلامها التي لم تسمعها منك من قبل ..
شاركيها نزهة قصيرة ، او كوب شراب في المساء ، او حديثًا عابرا قبل النوم ..
ستتفاجئين كم من الكنوز العاطفية لا تزال مخبأة في قلب أمك ، وكم من الدفء ينتظر منك فقط أن تفتحي له الباب ..
لا أقول لك إن الأم ستحل محل الأخت ، فلكل إنسان مكانه الذي لا ينازعه فيه أحد ، ولكن الله سبحانه وتعالى يفتح للقلوب أبوابًا جديدة كلما أُغلق باب . وربما أراد الله أن يمنحك فرصة لتكتشفي جانبًا جديدًا من علاقتك بأمك ، علاقة لا تقوم فقط على البر والواجب ، بل على الصداقة والأنس والرفقة الجميلة ..
اجعلي أمك صديقة أيامك ، واجعلي نفسك صديقة وحدتها . فكما تحتاجين إلى قلب يحتويك ، هي أيضًا تحتاج إلى قلب يقترب منها . وما أجمل أن يجد اثنان بعضهما البعض في زمن الوحدة ، فيصبح كل منهما عزاءً للآخر وسندًا له ..
وتذكري دائمًا أن الحياة لا تاخذ منا شيئًا إلا وتترك لنا شيئًا آخر .قد أغلقت باب الغرفة التي كانت تجمعك باختك كل ليلة ، لكنها فتحت لك بابًا آخر نحو أمك ، نحو قربٍ أعمق ، وحديثٍ أطول ، وذكريات أجمل قد تصنعانها معًا ..
فاصبري على هذا الحنين ، ولا تحاربينه ، فهو دليل محبة لا دليل ضعف .
ودعي الأيام تمضي برفق ، فالأيام طبيبة ماهرة ، تُهذب الأحزان ولا تمحو الوفاء ، وتُخفف الوحشة دون أن تُنقص من جمال الذكريات ..
وأمرٌ آخر أرجو الا تغفلي عنه ..
اذا كانت الأم نهرًا من الحنان ، فإن الجدّة بحرٌ من الدفء لا تُدرك القلوب عمقه إلا حين تقترب منه ..
اقتربي من جدّتك ما استطعتِ ، واجلسي إلى جوارها طويلًا ، فهناك في عينيها حكايات عمر كامل ، وفي صوتها بقايا أزمنة جميلة لم نعرفها إلا من أفواه الجدّات .
اسأليها عن طفولتها ، وعن أيامها الأولى ، وعن الناس الذين مرّوا في حياتها ، وعن الأفراح والأحزان التي عبرتها ..
ستكتشفين أن قصص الجدّات ليست مجرد حكايات تُروى ، بل هي مواساة خفية ، وحكمة ناعمة ، ودفء يتسلل إلى القلب دون استئذان .
ما أجمل ان تجلسيني مساء هادىء بين أمك وجدّتك ، فتشعرين انك محاطة بجناحين من الرحمة ..
أمٌّ تهبك حنان الحاضر ، وكدّة تمنحك عبق الماضي ..
عندها لن يكون البيت أقل وحدة ، بل أكثر امتلاءً بالأرواح الطيبة والذكريات العذبة ..
وربما تكتشفين مع الأيام أن الله ، حين أخذ من يومك صحبة أختك المقيمة بقربك ، فتح لك أبوابًا أخرى لم تكوني تنتبهين إليها من قبل ..
باب أم تنتظر منك مزيدًا من القرب ..
وباب كدّة تتمنى أن تجد من يشاركها ما تبقى من مواسم العمر .
فاجعلي من مجالستهما عادة ، ومن حديثهما متعة ، ومن دعواتهما زادًا لقلبك ..
فهناك أوجاع لا تداويها الكلمات ، ولكن تداويها يد أم تربت على الكتف ، ودعوة جدّة تخرج من قلب صادق إلى السماء ..
في ختام حديثي لكِ يا ريّان ..
ليس كل فراغ عقوبة ، فبعض الفراغات يخلقها الله في قلوبنا ليقودنا إلى أبواب أخرى من المحبة لم نكن نلتفت إليها
فحين ابتعدت الآخت قليلًا ، اقتربت الأم أكثر ، ومدّت الجدّة يدها المليئة بالدفء والذكريات ..
وكان الله يقول للقلب الحزين : لن آخذ منك محبوبًا إلا وأزرع حولك من المحبة ما يعينك على الطريق ..
مريم وميرا وريناد.. بقلم نعيم شقير
📎 رابط مختصر للمقال:
https://almanara.media/?p=60968
شارك هذه المقالة








