المنارة/ القاهرة
مع نهاية كل عام ميلادي نحتفل بذكري ميلاد أمير الرواية العربية “نجيب محفوظ” الذي ولد في الحادي عشر من ديسمبر عام 1911م، والذي في كل مرة ننقب في إبداعة نجد الجديد ونتعلم ما يفيد ومن بين أهم قرارته وأعمق اختياراته أنه لما انتهي من دراسة الفلسفة بجامعة القاهرة، والتحق بماجستير الفلسفة الإسلامية اكتشف أن التركيز بالدرس سيشغله عن إبداعه فاتخذ قرارا حازما في وقت مناسب يعد أحد أهم قراراته المصيرية فتخلي عن الماجستير وإن لم يتوقف يوما عن طلب العلم فاتجه إلي دراسة التاريخ الذي إرتأي أنه سوف يكون أكثر نفعا لمشروعه الأدبي الذي خطط أول الأمر أن يتجه إلي كتابه تاريخ مصر القديم بصيغة روائية، وكان لتلك الفكرة التي تقدم في اتجاهها عدة خطوات دور كبير في تكوينه الاستثنائي الذي لا نمل الحديث عنه وتداول حيثياته ليس فقط لأنه الأديب العربي الوحيد الذي اقتنص جائزة نوبل 1988م، ولكن لأنه تمكن من كتابتنا علي نحو ما كنا نتمني أن نكتب.

ترجم محفوظ كتاب “مصر القديمة” تأليف “جيمس ميكى” كأحد بواكيير التعبير عن اهتمامه بالتاريخ، واستمر في الوفاء لهذا العشق حتي أخرج عدد من الروايات ذات الصبغة الفرعونية والخلفيات التاريخية منها وقيل أنه أعدم خمس رويات عن التاريخ الفرعوني قبل أن يخرج روايته الشهيرة “عبث الأقدار” التي تحكي بطولات الملك “خوفو” الذي بني أحد معجزات التاريخ وهو الهرم الأكبر، وكذلك رواية “رادوبيس” التي جرت أحداثها أواخر عصر الأسرة السادسة الفرعونية، ورواية “كفاح طيبة” التي تتناول كفاح وبطولات المصريين القدماء ضد الهكسوس بقيادة “سقنن رع” ثم كاموس، وأخيرا “أحمس” الذي نجح في طرد الأعداء واستعادة الأرض وتحرير “أواريس” عاصمة مصر القديمة وفى هذه الرواية التي نشرت 1944م، استنطق محفوظ التاريخ لكي يدفع أمته نحو مستقبل أكثر أمنا وحرية بنفحة من التاريخ.
آخر روايات محفوظ التاريخية كانت محورها “إخناتون” ذلك الفرعون المدهش الذي تضاربت بشأنه الآراء والذي قرر نجيب محفوظ أن يكتب عنه عام 1985م رواية بعنوان “العائشِ في الحقيقة” تتضمن باكورة دعوته إلى عبادة إله واحد، وفي الرواية نقرأ كيف تزعم إخناتون ثورة كبيرة على نظام فكري وعقائدي وديني عتيق وبالي وكيف حاول تعديل مسار حياة القدماء، وكان إخناتون وقت ذاك علي قمة هرم السلطة وناضل بكل قوة نحو ما آمن بأنه حق، ولكنه لم يقدر علي الإصلاح والتغيير، لأن أمور تعديل العقائد تتطلب صبر وتحتاج إلي أغلبية، وأغلبية الشعب كانت في صف كهنة “آمون” الذين كانوا وجموع الناس منتفعون ببقاء الوضع علي ما هو عليه، وقد حرص “محفوظ” علي أن يعرض مختلف الآراء حول شخصية بطل روايته “إخناتون” من كافة الزوايا في جميع مراحله العمرية.

أولى “نجيب محفوظ” شخصيات هذه الرواية “العائشِ في الحقيقة” عناية فائقة ورسم تفاصيل وأبعاد هذه الشخصيات بمهارة كبيرة، ووصف كيف كادت فرقة الديانة الجديدة “آتون” أن تفرق بين المصريين وكادت أن تسقط الإمبراطورية الكبري التي كونها “أمنحتب الثالث” والد إخناتون، ولذلك طالبه كهنة آمون ومعهم الشعب بالتنازل عن الحكم، وإنهاء دعوته إلى مذهبه الجديد فتنازل عن العرش وعين الفرعون الأشهر “توت عنخ أمون” بدلا منه فيما بقي “حور محب” قائد الجيش بمنصبه لأنه كان الوحيد الذي لم يعتنق فكر إخناتون عن دين آتون ولزم ديانة آمون متمسكا بآداء واجبه العسكري والوطني علي أكمل وجه وإن بدي مزدوج الولاء بنظر البعض ولكنه كان يعلى مصلحة الوطن ليقدر نهاية الأمر من الجميع.
في رواية “عبث الأقدار” لنجيب محفوظ كان القائد العسكري حور محب يري إخناتون رمزا للوطن وإن كان لا يصلى كفرعون وعبر عن ذلك قائلا: (لم أستطيع أبدا أن أهضمه كفرعون من فراعين مصر, ولم أتحول عن رأى هذا في أي وقت من الأوقات) وكان حور محب يرى أن إخناتون رغم ضعف صحته والأنوثة التي تغلب مظاهر الذكورة في هيئته مناضل قوى لعقيدة التوحيد أمام جبروت الكهنة ووصف ذلك بقوله : (رغم الضعف الجسدي, والأنوثة الخلقية انطلقت منه عزيمة متحدية مثل ألسنة اللهب لا ندرى من أي مجهول استعارها، ناضل بها أقوى الرجال وهم الكهنة)
وهكذا ظل “حور محب” يري حاكمه مقاتلا شرسا حتي وصلت الأمور إلي طريق مسدود إما أن تكون مصر أو يكون إخناتون فتحيز إلي ما فيه صالح الوطن نزولا علي إرادة فرسان الجيش ممن هالهم تهاون إخناتون مع أعداء الخارج مما أجبر القائد العسكري “ماى” علي الخروج عن شعوره قائلا: (ذلك المجنون أهان شرفنا العسكري وجعلنا هزأة للمعتدين وفريسة سهلة لقطاع الطرق) وشنت حملة كبيرة لتشويه صورة إخناتون لتنتهي حكايته في مدينته تل العمارنة التي شيدها علي هواه وعاش فيها آواخر أيامه وحيدا معتزلا إلا من زوجته وبعض خدمه حتي النهاية التي وصفها “محفوظ” علي لسان الراوي بقوله: (إخناتون وعظاته النبيلة، وأناشيده الخالدة لم ولن تموت وإن مرت مئات الأعوام علي رحيل أخناتون حيث يفني الجسد بينما الأفكار والأقوال تبقي عائشة في الحقيقة لا تموت)

إتجه نجيب محفوظ إلي التاريخ العربي في سردياته منها علي سبيل المثال لا الحصر قصة قصيرة بعنوان (السلطان) ضمن مجموعته القصصية “الشيطان يعظ” وفيها فوق جبل بالصحراء يسلم الحارس الخاص سيفه لمولاه السلطان بعدما يخبره أنه كان يفترض به أن يقتله تنفيذا لمؤامرة دبرتها السلطانة والوزير وأنه لو لم يقبل القيام بهذه المهمة لقتلوه وعادوا فقتلوا السلطان ولكنه لكي يحمي سيده تظاهر بالقبول فإما أن يتكرم السلطان بقتله ليفعل ما يريد أو يذهب في سلام إلي حيث لا يصل إليه أحد ويرحل السلطان متألما من الخيانة، ويظل بعيدا أعوام وأعوام حتي يرجع ذات يوم ومعه جيش عظيم يسترد به الملك، واعتمد محفوظ علي التاريخ العربي أيضا في صياغة مسرحية (الشيطان يعظ) التي تجري أحداثها في عهد أمير المؤمنين “عبد الملك بن مروان” وفيها يصل إلي علم الأمير حكاية قمقم يسكنه عفريت من الجان ومن يملكه يحصل علي قوة عظيمة يفرض بها سيادته ويملي إرادته علي أهل الأرض، ولذلك أرسل عبد الملك رجاله لاستطلاع الأمر ووصلوا إلي مدينة مسحورة جمد الجن سكانها منذ عشرين ألف سنة عندما اغترت ملكتهم بقوتها السحرية فادعت أنها آلهة وأنه على شعبها أن يعبدها ما دامت تتمتع بهذه القدرة فكان عقابها أن تتجمد مع شعبها لتظل عظة لمن يتعظ وهذه مسرحية من وحي التراث العربي الإسلامي الذي اتجه إليه محفوظ خلال مسيرته إبداعية بدأت بالشعر ومرت بالترجمة ثم السرد سواء كان طويلا في روياته التي قرأها العالم أو قصصه القصيرة الجميلة إلي جانب إبداعه الدرامي الذي يشمل كتابة سينارويوهات أفلام ثم المسرحيات.
وأخيرا كتب نجيب محفوظ مجموعة من القصص القصيرة جدا أقرب لما نسميه اليوم ومضة قصصية أطلق علي مجموعتها (أحلام فترة النقاهة) والتي تشهد مخطوطاتها علي أنه من رواد النضال بالكلمة إذ عرضه الإبداع الجريء إلي محاولة إغتيال خرج منها بعاهة كبري سلبته القدرة علي الإمساك بالقلم والكتابة إلا أنه ناضل مجددا كعادته حتي استطاع أن يكتب مجددا ليترك في نهاية مشواره الإبداعي أحلاما مبدعة.
وبقيت إبداعات “نجيب محفوظ” ذات المصادر والمراجع التاريخية خالدة في تاريخ الأدب والإبداع الإنساني ننهل منها كل حين وكلما طالعناها ازددنا تقديرا له وفخرا بما قدم من إنجاز لأن نجيب محفوظ تواضع للتاريخ فموضع بالواقع، ولذلك حتي إبداعاته التي لا يبدو فيها التاريخ بشكل مباشر نلمحه في تكوينه الفكري والثقافي يمنح مؤلفاته مذاقها الخاص لأنه لا حاضر يذكر ولا مستقبل يرتقب لمن لا يقدر تاريخ الإبداع والإبداع التاريخي.








