منذ الأزل، لم تكن ليبيا مجرد رقعة جغرافية على خارطة العالم، بل كانت هي “السد المنيع” والبوابة الصامدة التي حمّت القارة الإفريقية بصدور أبنائها وتاريخها العريق، والحصن الذي تتكسر عنده أطماع الغزاة، والدرع الذي حمى الجوار والأشقاء. لكن التاريخ العظيم لا يشفع وحده إن غفلت العيون عن الواقع المرير؛ ها هي ليبيا اليوم تتعرض لنوع جديد من الغزو الخفي، غزو ناعم وممنهج ومخطط له بعناية فائقة لضرب نسيجها الاجتماعي المتين، وتفكيك هويتها، وتغيير ديموغرافيتها بصمت رهيب.
اليوم، تشهد الدولة زحفاً بشرياً هائلاً وغير مسبوق من الجنوب الليبي؛ طوابير بشرية تسير على أرجلها تخترق الحدود، وصل منها العديد إلى المدن، بينما ابتلعت الصحراء القاسية الكثيرين منهم في مآسٍ إنسانية تتوارى خلف الصمت. وأمام هذا التدفق الهائل والمفتوح، تتكشف فصول كارثة أخرى لا تقل خطورة عن التهديد الأمني؛ ألا وهي الخطر الصحي والمتمثل في دخول أعداد غفيرة من المهاجرين الحاملين لأمراض سارية وخطيرة ومعدية تم توثيق تفشي بعضها مؤخراً بين العمالة الوافدة المتسللة، مما يشكل قنبلة موقوتة تهدد صحة المواطن الليبي وتفتك بالاستقرار الصحي للبلاد.
وأمام هذا المشهد المأساوي، يطرح السؤال نفسه بمرارة وألم: على من تقع المسؤولية الحقيقية؟ هل هي بسبب الإهمال وسوء الإدارة، أم هي خيانة صامتة وواضحة للوطن؟ كيف لبلد أن يترك أبوابه وموانئه ومنافذه الأرضية مباحة لكل من هب ودب دون رقيب أو فحص طبي أو حسيب؟ إن هذا التهاون ليس مجرد قصور إداري، بل هو جريمة كبرى تُرتكب بحق الأجيال القادمة، حيث يعبث أموات الضمير بمقدرات أمننا القومي والصحي، غير آبهين بأن هذا العبث سيتحول عاجلاً لا آجلاً إلى كارثة محققة لا تقتصر حدودها على ليبيا وحدها، بل ستكتوي بنيرانها الصحية والاجتماعية كل الدول العربية الشقيقة والجارة.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في التهديد الخارجي، بل في تخدير الداخل واستمرار الصمت المطبق، مما يتطلب إدراكاً جماعياً بأننا أمام لحظة تاريخية فاصلة: إما أن نتحرك بجرأة وشجاعة لفرض سيادة القانون وحماية الصحة العامة، وإما أن يصحو المواطن الغافل على صدمة الواقع المؤلم ليجد أن وطنه قد سُرق وتلوث منه في غفلة من الزمن.
إن الوضع الحالي يتطلب وبشكل عاجل لا يحتمل التأجيل إعادة النظر الفورية في سياسات التأشيرات والدخول والخروج لوضع ضوابط صارمة وحاسمة تحمي الحدود والسيادة الوطنية، وتفعيل الأجهزة الرقابية والصحية والأمنية لإجراء فحوصات شاملة وفرض إجراءات الحجر والترحيل الفوري، مع رفض أي أجندات خارجية تهدف إلى توطين هذا الخطر وتفتيت النسيج الاجتماعي الليبي الأصيل.
بقلم الدكتور ابريك المنقوش الزوي. الملحق الإعلامي السابق للسفاره الليبيه. القاهرة
بقلم د ابريك المنقوش الزوي : هجرة غير مشروعة أوبئة زاحفة، وتواطؤ يهدد الوجود!
📎 رابط مختصر للمقال:
https://almanara.media/?p=80065
شارك هذه المقالة








