من المزرعة إلى الرفوف: التوريد من مصادر محلية يكتسب أهمية متزايدة

نادراً ما تظهر التغييرات الأكثر تأثيراً في عالم الأعمال بشكل واضح. فهي تتراكم بهدوء عبر قرارات الشراء، وتقييمات الموردين، والنقاشات المتعلقة بالتوريد التي تدور خلف الكواليس.

ويشهد قطاع التجزئة في دولة الإمارات اليوم تحوّلاً يندرج ضمن هذا النوع من التغيّرات. ففي السابق، اعتمد تجار التجزئة بمختلف فئاتهم على بناء قوائم مورّديهم على أساس موردين عالميين راسخين قادرين على توفير الكميات المطلوبة، والامتثال للمعايير المطلوبة، والاتساق في طريقة العمل على نطاق واسع.

وعلى النقيض من ذلك، واجه المنتجون المحليون في بعض الأحيان صعوبات في تلبية المعايير التي يطلبها كبار المشترين، بما في ذلك توفير بنية تحتية موثوقة لسلسلة التبريد، والحصول على شهادات معترف بها دولياً في مجال سلامة الأغذية، والقدرة على توسيع نطاق التوريد من دون المساس بمواعيد التسليم.

وقد تقلّصت هذه الفجوة بشكل كبير، في وقتٍ بالغ الأهمية. فقد أسهمت الاستثمارات في البنية التحتية اللوجستية في دولة الإمارات، بما في ذلك المستودعات المزودة بأنظمة التحكم في درجة الحرارة، وخدمات التوصيل المبردة حتى نقطة التسليم النهائية، وتطوير مسارات تجارية بديلة، على سبيل المثال، الممر الأخضر بين سلطنة عُمان والإمارات وموانئ الساحل الشرقي في خورفكان والفجيرة، في توفير مسار موثوق ومستدام للمورّدين المحليين نحو رفوف المتاجر، وهو مسار لم يكن متاحاً قبل خمس سنوات.

ويظهر هذا الأثر بوضوح أكبر لدى تجار التجزئة الذين التزموا مبكراً بالاعتماد على التوريد من المصادر المحلية. فعلى سبيل المثال، تتابع علامة Organic Foods & Café، التي تعمل مع أكثر من 400 شريك توريد ضمن سلاسل توريد محلية وعالمية، هذا التطوّر عن كثب.

وخلال السنوات الأربع الماضية، شهدت تركيبة قائمة المورّدين لديها تحولاً ملحوظاً، مع توجّه واضح نحو التوريد من مناطق جغرافية أقرب. وقد أسهم ذلك في تحسين توفر المنتجات، وخفض أوقات النقل، وتقليل البصمة الكربونية بشكل ملحوظ عبر فئات رئيسية من المنتجات.

وقد كانت هذه التحوّلات أكثر وضوحاً في فئات المشروبات، والمنتجات الطازجة، والألبان، وهي فئات استثمر فيها المنتجون المحليون بشكل جاد في الجودة والالتزام بالثبات في الأداء. وتدلّ المنتجات التي باتت تحجز مكانها على رفوف المتاجر إلى نضجٍ تشغيلي حقيقي، وليس مجرد تفضيلاً للمنتجات المحلية.

ويمثل البيض العضوي من Risha Farms في الفجيرة والحليب العضوي الطازج من Organiliciouz في الشارقة، اللذان أصبحا متوفرين الآن بشكل مستمر، جيلاً من الموردين المحليين الذين لم يكن بإمكانهم قبل سنوات قليلة تلبية متطلبات كبار تجار التجزئة. إلى جانب ذلك، بدأت العلامات التجارية المحلية، بما في ذلك ME Kombucha وPure Harvest وHumantra و Nothing Silly وShake Your Plants، في ترسيخ حضور مستدام لها في قنوات توزيع كانت تميل سابقاً وبشكل تلقائي إلى العلامات التجارية العالمية.

كما يستجيب قطاع التجزئة ككل لهذه التحولات. فقد أضفت مبادرة “اصنع في الإمارات” — وهي مبادرة تقودها الحكومة بهدف تعزيز التصنيع المحلي والاستثمار الصناعي — أهمية سياسية ذات معنى لما كان قد أصبح بالفعل من الأمور البديهية في المجال التجاري، حيث يتم الآن مراجعة قوائم الموردين المعتمدين في جميع أنحاء القطاع من منظور مرونة سلسلة الإمداد، بدلاً من مجرد التركيز على تحسين التكلفة.

وقد جعلت الأحداث الأخيرة عملية إعادة التقييم أكثر وضوحاً، إذ أثبت تجار التجزئة الذين دمجوا التوريد المحلي بالفعل ضمن نماذج أعمالهم أنهم في موقع أفضل بكثير لتحمّل الصدمة وتقليل أثرها. وتم تفعيل قنوات شحن بديلة عند الحاجة، ولكن الشركات الأقل تعرضاً للمخاطر كانت تلك التي أقامت علاقات مع موردين محليين قبل أن تتحوّل هذه الخطوة إلى ضرورة ملحّة بفعل الاضطرابات.

وبالطبع، ما زالت التحديات قائمة، بحيث يشكّل النقص في عدد المنتجين المحليين الحاصلين على شهادات عضوية فجوةً مستمرة. كما أن توقعات تجار التجزئة لم تصبح أكثر صرامة، إذ يُطلب من المورّدين المحليين الالتزام بالمعايير ذاتها المتعلقة بالتسليم وسلامة الغذاء وقابلية التوسّع، تماماً كما هو الحال مع نظرائهم الدوليين.

وتشهد قائمة المنتجين القادرين على تلبية هذه المعايير نمواً متزايداً، فيما باتت الجدوى التجارية لهذا التوجّه أمراً يصعب تجاهله. وأصبحت السرعة في إنجاز الطلبات، وزيادة مدة صلاحية المنتجات الطازجة المحلية، والقدرة الفعالة على التكيف مع تقلبات أسعار الشحن، تفوق الآن مزايا الحجم التي كان يتمتع بها الموردون الدوليون من دون منافسة تُذكر في السابق.

وكانت عملية إعادة هيكلة قطاع التجزئة في دولة الإمارات حول العلامات التجارية المحلية قد بدأت بالفعل، لكن الوضع الجيوسياسي الراهن قد دفع بها إلى مستوى جديد. وتستند هذه العملية الآن إلى خبرات تجارية راسخة، مدعومة ببنية تحتية متطورة، ومساندة من السياسات الوطنية.

والشركات التي تدرك حقيقة الأمر – أي أنه تحول جذري في سلاسل الإمداد، وليس مجرد اتجاه في مجال التوريد – هي التي ستحدد شكل قطاع التجزئة في الإمارات العربية المتحدة خلال العقد المقبل.

..بقلم فراس ناصر، الرئيس التنفيذي لعلامة Organic Foods & Café والرئيس التنفيذي المشارك للاستثمار في Gulf Japan Food Fund

📎 رابط مختصر للمقال: https://almanara.media/?p=61241
شارك هذه المقالة