بودلاسكي.. حكاية الطبيعة البكر وتراث التتار المسلمين في شرق بولندا

المنارة / وارسو – صلاح سليمان 

يستغرق الوصول من وارسو إلى إقليم بودلاسكي في شرق بولندا نحو ثلاث ساعات بالسيارة، لكن الرحلة تبدو وكأنها انتقال إلى عالم مختلف تمامًا. فكلما ابتعدنا عن العاصمة البولندية، تراجعت المدن تدريجيًا لتحل محلها الغابات الكثيفة والحقول الواسعة والقرى الصغيرة الهادئة. هنا تلتقي الطبيعة البكر بالتاريخ العريق، وتتجاور الثقافات الأوروبية مع تراث التتار المسلمين الذين حافظوا على هويتهم عبر قرون طويلة في شرق البلاد.

كانت محطتنا الأولى قلعة تيكوتشين، إحدى أبرز المعالم التاريخية في المنطقة. وبين أسوارها تابعنا عرضًا استعراضيًا بملابس النبلاء البولنديين الذين عاشوا في القرون الماضية. لم يكن العرض مجرد فقرة سياحية، بل نافذة على تاريخ طويل لعبت فيه هذه المنطقة دورًا مهمًا ضمن الكومنولث البولندي الليتواني، الذي كان يومًا أحد أكبر الكيانات السياسية في أوروبا.

ومن تيكوتشين واصلنا الطريق إلى قرية بنتوفو، التي تُعد من أشهر قرى اللقلق الأبيض في أوروبا. وما إن اقتربنا من القرية حتى بدأت الأعشاش تظهر فوق أعمدة الكهرباء وأسقف المنازل والأشجار المرتفعة، في مشهد بدا وكأن الطيور تشارك السكان تفاصيل حياتهم اليومية.

وصلنا في التوقيت المثالي من العام، إذ تبدأ أسراب اللقالق بالعودة من هجرتها الطويلة من إفريقيا بين شهري أبريل وأغسطس، بينما يُعد شهر يونيو من أفضل الفترات لمشاهدتها، خاصة مع ظهور الفراخ الصغيرة التي تبدأ أولى محاولاتها للطيران.

تقطع هذه الطيور المهاجرة ما يقارب عشرة آلاف كيلومتر ذهابًا وإيابًا كل عام، ومع ذلك تعود تقريبًا إلى الأعشاش نفسها في كل موسم. وطوال وجودنا في القرية لم يتوقف صوت اصطكاك المناقير، وهو أسلوب التواصل المميز بين طيور اللقلق، حتى أصبح جزءًا من هوية المكان.

وتوفر الأراضي الرطبة والمروج المحيطة ببنتوفو بيئة مثالية لهذه الطيور، لذلك تحولت القرية إلى واحدة من أهم مستعمرات اللقلق الأبيض في أوروبا. وفي عام 2001 حصلت على لقب «القرية الأوروبية للقلق»، لتصبح مقصدًا سياحيًا لعشاق مراقبة الطيور والطبيعة.

وخلال تنقلاتنا برفقة المرشد بيتر، لم يكن من الصعب ملاحظة المكانة الخاصة التي يحظى بها اللقلق في الثقافة البولندية. فالسكان يضعون منصات خشبية ومعدنية فوق الأعمدة لمساعدة الطيور على بناء أعشاشها، بينما يُنظر إلى اللقلق الأبيض باعتباره رمزًا للحظ السعيد والازدهار.

ومع مواصلة الطريق شرقًا بدأ المشهد يتغير تدريجيًا. اقتربنا أكثر من الحدود البيلاروسية، وبدت الطرق المؤدية إلى المعابر الحدودية شبه خالية من الحركة. ومن حين إلى آخر كنا نلمح آليات عسكرية ودوريات مراقبة في المنطقة. وأوضح لنا مرشدنا أن هذه الطرق كانت، حتى سنوات قليلة مضت، تشهد حركة تجارية كثيفة بين الجانبين، قبل أن تؤدي التطورات السياسية إلى تراجع حركة العبور.

لكن أكثر محطات الرحلة إثارة للاهتمام كانت زيارة قرية كروشينياني، إحدى أشهر القرى الإسلامية في أوروبا الوسطى.

تعود قصة التتار في هذه المنطقة إلى عام 1679، عندما منح الملك البولندي يوحنا الثالث سوبيسكي أراضي في كروشينياني للتتار المسلمين مكافأة لهم على ولائهم وخدمتهم العسكرية في الجيش البولندي. ومنذ ذلك الحين استقرت العائلات التترية في المنطقة، وأصبحت جزءًا أصيلًا من النسيج الاجتماعي والثقافي لبولندا.

ورغم مرور أكثر من ثلاثة قرون على استقرارهم، ما زالت القرية تحتفظ بهويتها الخاصة. والأكثر إثارة للإعجاب هو نموذج التعايش الذي تمثله، حيث عاش المسلمون والكاثوليك والأرثوذكس جنبًا إلى جنب لقرون طويلة دون صراعات دينية تُذكر.

ويُعد المسجد الخشبي في كروشينياني أبرز معالم القرية، وأحد أقدم المساجد داخل حدود بولندا الحالية. يعود تاريخ بنائه إلى القرن الثامن عشر، وقد حافظ على طابعه المعماري التقليدي الذي يجمع بين التأثيرات الإسلامية والعمارة الخشبية المحلية.

ولا يزال المسجد يؤدي دوره الديني حتى اليوم، خاصة خلال عيدي الفطر والأضحى، كما أصبح من أهم المعالم الثقافية التي يقصدها الزوار للتعرف إلى تاريخ الإسلام في بولندا.

كما زرنا المزار الإسلامي التاريخي، وهو المقبرة التترية التي تضم شواهد قبور يعود بعضها إلى أواخر القرن السابع عشر. ومن بين هذه الشواهد قبر يحمل تاريخ 1699، ويُعد من أقدم الشواهد الإسلامية المعروفة في البلاد.

وخلال الزيارة استقبلتنا جانيت وزوجها أمير في المطعم التتري الشهير بالقرية، حيث أتيحت لنا فرصة تذوق المطبخ التتري التقليدي. وكان أبرز ما قُدم لنا فطيرة «بيريكاتشيفنيك»، التي تُعد من أشهر الأطباق التترية في بولندا.

ويفتخر سكان القرية بزيارة الملك تشارلز الثالث لها عام 2010، عندما كان وليًا للعهد البريطاني. ويؤكد كثيرون أن تلك الزيارة أسهمت في تعريف العالم بتراث التتار المسلمين في بولندا، وساعدت في جذب مزيد من السياح والباحثين المهتمين بالتنوع الثقافي والديني.

ورغم أن عدد سكان كروشينياني لا يتجاوز بضع مئات من الأشخاص، فإنها أصبحت رمزًا للتسامح والتعايش الثقافي، وشاهدًا حيًا على قدرة المجتمعات الصغيرة على الحفاظ على هويتها عبر الأجيال.

مع نهاية اليوم واصلنا رحلتنا نحو بياليستوك، عاصمة إقليم بودلاسكي، ونحن نحمل انطباعًا واضحًا بأن هذه المنطقة لا تتميز بطبيعتها فقط، بل أيضًا بقدرتها على جمع ثقافات وتقاليد متعددة في مساحة جغرافية واحدة، لتصبح واحدة من أكثر مناطق بولندا تميزًا وتنوعًا.

وفي صباح اليوم التالي انطلقنا من بياليستوك باتجاه غابة بياوفييجا، إحدى أشهر المناطق الطبيعية في أوروبا وأكثرها فرادة. وكلما اقتربنا من وجهتنا بدأت الغابات الكثيفة تحيط بالطريق من الجانبين، فيما اختفت مظاهر المدن تدريجيًا لتحل محلها الطبيعة البكر.

تقع غابة بياوفييجا على الحدود بين بولندا وبيلاروسيا، وتُعد واحدة من آخر الغابات البدائية المتبقية في أوروبا. وقد أدرجتها منظمة اليونسكو ضمن قائمة التراث العالمي، نظرًا لقيمتها البيئية الاستثنائية، حيث تمثل نموذجًا حيًا للغابات التي كانت تغطي أجزاء واسعة من القارة الأوروبية قبل آلاف السنين.

وصلنا إلى مجمع “Carskie” التاريخي، الذي شكّل تجربة إقامة مختلفة تمامًا. فمنذ اللحظة الأولى بدا المكان بعيدًا عن مفهوم الفنادق التقليدية. فالمجمع مقام داخل مبانٍ تاريخية كانت جزءًا من محطة السكك الحديدية الإمبراطورية التي أُنشئت مطلع القرن العشرين لخدمة رحلات القياصرة الروس إلى غابة بياوفييجا.

ويعني اسم “Carskie” «القيصري»، في إشارة إلى التاريخ المرتبط بالمنطقة. وقد نجح القائمون على المشروع في تحويل المباني التاريخية إلى منشأة سياحية تجمع بين الراحة الحديثة والطابع التراثي الأصيل. أما التجربة الأكثر تميزًا فكانت الإقامة داخل عربات القطار القديمة، التي تحولت إلى غرف فندقية مجهزة بأحدث وسائل الراحة، وسط طبيعة بكر لا يقطع هدوءها سوى أصوات الحيوانات القادمة من الغابات المجاورة.

وفي اليوم التالي خضنا واحدة من أكثر التجارب السياحية متعة في المنطقة، وهي ركوب دراجات السكك الحديدية. وتعتمد الفكرة على عربات خفيفة تسير فوق خطوط السكك الحديدية القديمة ويتم تحريكها بواسطة الدواسات، ما يسمح للزوار باستكشاف الطبيعة بطريقة مختلفة وممتعة.

بعد ذلك توجهنا إلى مجمع “Żubrówka” السياحي للاستراحة قبل مواصلة البرنامج. ويستمد المكان اسمه من كلمة “Żubr” البولندية، التي تعني البيسون الأوروبي، الحيوان الأشهر في المنطقة.

ومن هناك بدأنا السير عبر المسارات السياحية داخل غابة بياوفييجا، فوق الأراضي الرطبة والمستنقعات الطبيعية، حيث صُممت الممرات بطريقة تسمح للزوار باستكشاف البيئة الطبيعية دون الإضرار بالنظام البيئي الحساس.

وفي نهاية المسار وصلنا إلى محمية البيسون النموذجية، التي تُعد من أهم المواقع التعليمية والسياحية في المنطقة، إذ توفر فرصة لمشاهدة البيسون الأوروبي عن قرب والتعرف إلى تاريخ هذا الحيوان الفريد.

ويُعتبر البيسون الأوروبي أكبر الثدييات البرية في أوروبا، إذ قد يتجاوز وزن الذكر البالغ 900 كيلوغرام. وقد تعرض لخطر الانقراض مطلع القرن العشرين نتيجة الصيد الجائر، لكن برامج الحماية الدولية نجحت في إنقاذه وإعادة توطينه.

ولعبت غابة بياوفييجا دورًا محوريًا في هذه الجهود، حتى أصبحت اليوم الموطن الأهم للبيسون الأوروبي في العالم، ولذلك يُنظر إلى هذا الحيوان باعتباره رمزًا عالميًا لنجاح برامج حماية الحياة البرية.

ولا تقتصر أهمية بياوفييجا على البيسون فقط، بل تضم مئات الأنواع من الطيور والثدييات والحشرات والفطريات والنباتات، ما يجعلها واحدة من أغنى المناطق الأوروبية من حيث التنوع البيولوجي.

وبعد ساعات من المشي والاستكشاف توجهنا إلى مدينة هاينوفكا لتناول الغداء. وتُعرف المدينة بأنها البوابة الرئيسية لغابة بياوفييجا، كما تمثل مركزًا مهمًا للسياحة البيئية في المنطقة.

وتتميز هاينوفكا بموقعها بين الغابات والقرى التقليدية، وتعكس الطابع المتعدد الثقافات الذي تشتهر به منطقة بودلاسكي. وقد تناولنا الغداء في مطعم “Niezapominajka” الذي يقدم أطباقًا مستوحاة من المطبخ البولندي والإقليمي، في استراحة مستحقة بعد يوم طويل من الأنشطة.

ومع اقتراب المساء بدا واضحًا أن غابة بياوفييجا ليست مجرد وجهة سياحية، بل تجربة متكاملة تجمع بين الطبيعة والتاريخ والثقافة. فمن الإقامة في محطة قيصرية قديمة، إلى ركوب الدراجات السككية، والمشي وسط الغابات البدائية، ومشاهدة البيسون الأوروبي، يشعر الزائر وكأنه يسافر عبر الزمن إلى أوروبا التي اختفت من أنحاء القارة، لكنها ما زالت حية هنا، في أقصى شرق بولندا.

📎 رابط مختصر للمقال: https://almanara.media/?p=60125
شارك هذه المقالة