دار ورد تصدر كتابًا تاريخيًا لسليمان الموسى يكشف أسرار حركة الضباط الأحرار بالأردن

المنارة: عمان

صدر حديثًا عن دار ورد الأردنية للنشر والتوزيع، كتاب “حركة الضباط الأحرار في الأردن (1951–1959)” للمؤرخ الأردني الراحل سليمان الموسى، بعد أن ظلت مخطوطته محفوظة لأكثر من ربع قرن، تنفيذًا لرغبة مؤلفه الذي أوصى بعدم نشرها قبل مرور خمسة وعشرين عامًا على الأقل.

- Advertisement -

بعد أكثر من ربع قرن على آخر مراجعة لمخطوطته ، يعود المؤرخ الأردني الراحل سليمان الموسى إلى واجهة المشهد الثقافي والتاريخي من خلال كتابه “حركة الضباط الأحرار في الأردن (1951–1959)”، الذي يتناول مرحلة مفصلية من تاريخ الدولة الأردنية، شهدت تحولات سياسية وعسكرية حاسمة، وارتبطت بأحداث نيسان عام 1957، التي ظلت لعقود موضع جدل بين الرواية الرسمية وشهادات الضباط الذين شاركوا في تلك الأحداث.

- Advertisement -

وتكتسب هذه المخطوطة أهمية استثنائية، ليس فقط لما تتضمنه من معلومات وشهادات تاريخية، وإنما أيضًا للظروف التي أحاطت بكتابتها وتأجيل نشرها. فقد أظهرت أوراق المؤرخ الراحل أن آخر مراجعة أجراها على النص كانت في الثامن من آب عام 1999، وأنه لم يكن يميل إلى نشر الكتاب في تلك المرحلة، وأوصى بالاحتفاظ بالمخطوطة مدة لا تقل عن خمسة وعشرين عامًا، في موقف يعكس إدراكه لحساسية الوقائع والشخصيات التي تناولتها الدراسة.

- Advertisement -

روايتان لمرحلة واحدة

يعود الكتاب إلى واحدة من أكثر المحطات إثارة للجدل في تاريخ الأردن الحديث، حين برزت حركة الضباط الأحرار الأردنيين، المرتبطة بأسماء عسكرية بارزة، في مقدمتها المقدم شاهر يوسف أبو شاحوت واللواء علي أبو نوار، رئيس هيئة أركان الجيش العربي الأردني.

وقد ارتبطت أحداث نيسان 1957 باتهامات رسمية للحركة بالتخطيط لانقلاب عسكري للإطاحة بالملك الحسين بن طلال، وهي الرواية التي هيمنت طويلًا على تفسير تلك المرحلة، قبل أن تبدأ بالظهور شهادات ومذكرات لضباط شاركوا في الأحداث، قدمت روايات مختلفة عن دوافع الحركة وأهدافها وطبيعة ما جرى.

وكان كتاب «الأردن بين عهدين» لموسى عادل بكميرزا، الصادر عام 1957، من أوائل المؤلفات التي عرضت الرواية الرسمية، أعقبته مذكرات الملك الحسين “Uneasy Lies the Head» عام 1962، ثم كتابه «مهنتي كملك» الصادر باللغة الفرنسية عام 1975.

وفي المقابل، بدأت رواية الضباط الأحرار تأخذ طريقها إلى النشر، خصوصًا مع صدور كتاب «مذكرات جندي» للواء صالح الشرع عام 1985، ثم مذكرات شاهر أبو شاحوت التي نشرتها صحيفة «القبس» الكويتية في ست حلقات خلال أيلول 1986، وأعيد نشرها في الصحافة الأردنية عام 2018.

وتوالت بعد ذلك الشهادات والمذكرات، ومنها مذكرات العقيد محمود الموسى العبيدات، التي ظهرت أجزاء منها في مجلة «الأردن الجديد» عام 1989، قبل أن يجمعها محمود سعد عبيدات في كتاب صدر عام 1999، إلى جانب مذكرات اللواء علي أبو نوار «حين تلاشت العرب» الصادرة عام 1990، ومذكرات الفريق نذير رشيد «حساب القرايا والسرايا» الصادرة عام 2006، وكتاب «من الحزب إلى السجن» لضافي الجمعاني عام 2007.

سليمان الموسى بين الوثائق والشهادات

ما يميز كتاب سليمان الموسى أنه لا يكتفي بإعادة سرد الأحداث من منظور واحد، بل يسعى إلى تقديم قراءة تاريخية تجمع بين الرواية الرسمية الأردنية وروايات الضباط الأحرار، في محاولة لفهم حقيقة التطورات السياسية والعسكرية التي شهدتها المملكة خلال خمسينيات القرن الماضي.

واعتمد الموسى في دراسته على ما توفر له من مؤلفات ومذكرات وشهادات، ولم يقتصر على المصادر المنشورة، بل تواصل مع عدد من الضباط الذين عاصروا تلك المرحلة وشاركوا في أحداثها، ووجّه إليهم أسئلة مباشرة بشأن الوقائع الغامضة والمواقف التي أثارت اختلافًا في تفسيرها.

وتمنح هذه المنهجية الكتاب قيمة توثيقية خاصة، إذ يقدم محاولة للمقارنة بين الشهادات المتعارضة، وفهم الظروف التي أحاطت بصناعة القرار السياسي والعسكري في الأردن، بعيدًا عن الاكتفاء برواية واحدة للأحداث.

ويأتي هذا العمل ضمن سياق أوسع من الكتابات العسكرية والتاريخية الأردنية التي تناولت الصراع العربي الإسرائيلي ودور الجيش العربي، ومن أبرزها مؤلفات اللواء محمود أحمد الروسان، وعبد الله التل، واللواء صادق الشرع، التي أسهمت في توثيق جانب مهم من التاريخ العسكري والسياسي للأردن والمنطقة.

مخطوطة انتظرت الزمن المناسب

لعل الجانب الأكثر لفتًا للانتباه في قصة هذا الكتاب هو قرار مؤلفه تأجيل نشره، رغم إنجاز محتواه ومراجعته خلال حياته.

فاشتراط الاحتفاظ بالمخطوطة مدة لا تقل عن خمسة وعشرين عامًا يضفي على العمل بعدًا تاريخيًا وإنسانيًا، ويثير تساؤلات حول طبيعة المرحلة التي عاشها الموسى، ومدى حساسية المعلومات التي جمعها، والأسباب التي جعلته يرى أن مرور الزمن قد يكون ضروريًا لإتاحة قراءة أكثر هدوءًا واتزانًا لهذه الأحداث.

واليوم، وبعد مرور أكثر من سبعة وعشرين عامًا على آخر مراجعة للمخطوطة، يكتسب الكتاب أهمية متجددة، بوصفه شهادة مؤرخ أردني عُرف باهتمامه بتوثيق تاريخ الأردن وفلسطين، ومحاولة لفهم واحدة من أكثر المراحل تأثيرًا في تشكيل الحياة السياسية الأردنية المعاصرة.

قراءة جديدة في تاريخ لم يُحسم الجدل حوله

لا تنحصر أهمية «حركة الضباط الأحرار في الأردن (1951–1959)» في استعادة وقائع مضى عليها نحو سبعة عقود، بل تمتد إلى إعادة طرح أسئلة تاريخية ما زالت تحظى باهتمام الباحثين: ماذا حدث بالفعل في نيسان 1957؟ وما الذي أراده الضباط الأحرار؟ وكيف تداخلت الطموحات القومية والتحولات الإقليمية مع موازين السلطة داخل الدولة الأردنية؟

إنها أسئلة يسعى سليمان الموسى إلى الاقتراب من إجاباتها عبر دراسة تستند إلى الوثائق والشهادات ومقارنة الروايات، وتفتح المجال أمام إعادة قراءة مرحلة كادت أحداثها أن تدفع الأردن نحو مسار سياسي مختلف.

وبين رواية الدولة وشهادات الضباط، يقدم سليمان الموسى عملًا تاريخيًا ظل حبيس الأوراق لأكثر من ربع قرن، ليعود اليوم شاهدًا على مرحلة مضطربة من تاريخ المملكة، وليضع أمام القارئ مادة توثيقية تفتح باب البحث والنقاش في واحدة من أكثر صفحات التاريخ الأردني الحديث تعقيدًا.

📎 رابط مختصر للمقال: https://almanara.media/?p=81947
- Advertisement -
شارك هذه المقالة