بعد سبعة أشهر، المستثمرون الأفراد في الإمارات يختتمون الربع بثقة أكبر..بقلم جورج نداف

مع اقتراب الربع الثالث من نهايته، وبعد سبعة أشهر من التقلبات التي شهدتها أسواق الخليج على خلفية التطورات الجيوسياسية المتعلقة بإيران، تكشف أحدث بياناتنا حول المستثمرين الأفراد في دولة الإمارات عن تنامي الثقة، بدلاً من التراجع عن الاستثمار.

في مارس الماضي، بدت آفاق المستثمرين أقل وضوحاً. فقد أثرت التوترات الجيوسياسية في أسواق الخليج، وتصاعدت الضغوط التضخمية، فيما كانت التوقعات تشير إلى بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول. وفي ظل هذه الظروف، كان من المنطقي توقع أن يقلّص المستثمرون الأفراد انكشافهم على الأسواق، ويحتفظوا بمزيد من السيولة، وينتظروا اتضاح الصورة.

لكن ما حدث كان مختلفاً.

شهدت الأسواق موجة بيع حادة في البداية، إلا أن تعامل المستثمرين معها اتسم بالتروي أكثر من التراجع. فبدلاً من الابتعاد عن السوق بالكامل، واصل كثيرون الاستثمار مع إعادة تقييم القطاعات والفرص التي يرون أنها أكثر قدرة على الصمود وتحقيق النمو.

وبعد سبعة أشهر، يشير أحدث استطلاع نبض المستثمرين الأفراد في الإمارات الصادر عن etoro، والذي شمل 1,000 مستثمر فرد في الدولة، إلى أن المستثمرين الأفراد في الإمارات لا يشعرون بثقة أكبر فحسب، بل أصبحوا أيضاً أكثر انتقائية في كيفية ترجمة هذه الثقة إلى قرارات استثمارية.

السوق يمضي قدماً رغم حالة عدم اليقين

كانت أسواق الأسهم الخليجية قد واجهت أصعب اختبار لها خلال هذه الدورة قبل بداية الربع الثالث بفترة طويلة. فقد تراجع مؤشر سوق دبي المالي بما يصل إلى %16 خلال مارس وحده، فيما سجل سوق أبوظبي للأوراق المالية أسوأ أداء شهري له منذ ست سنوات. وبعد سبعة أشهر، أصبح أداء سوق أبوظبي للأوراق المالية مستقراً تقريباً منذ بداية العام، بينما لا يزال سوق دبي المالي متأخراً بعض الشيء. وفي كلتا الحالتين، لم تتحقق السيناريوهات الأكثر تشاؤماً التي طُرحت في مارس، وبدأت الأسواق بالتعافي.

ولا يعني ذلك أن المخاطر قد اختفت. فلا تزال إمدادات الطاقة في الخليج وحركة الشحن عبر مضيق هرمز تواجه اضطرابات، ما يؤخر انحسار التضخم الذي كانت البنوك المركزية تتوقعه. كما لا تزال أسعار الفائدة مرتفعة، ما يفرض ضغوطاً إضافية على الأسواق والموارد المالية للأسر.

ما تغير هو طريقة تعامل المستثمرين مع هذه الظروف. فتعافي السوق من أدنى مستوياته المسجلة في مارس لم يصاحبه عودة إلى التفاؤل المطلق. وبدلاً من ذلك، يبدو أن المستثمرين باتوا أكثر قدرة على التمييز بين الاضطرابات قصيرة الأجل والأساسيات طويلة الأجل، إذ يواصلون الاستثمار في السوق مع التدقيق بصورة أكبر في القطاعات والشركات الأقدر على التعامل مع المرحلة المقبلة.

كيف يتعامل المستثمرون الأفراد مع السوق؟

هنا تقدم أبحاثنا صورة لا تعكسها مؤشرات الأسواق وحدها، حيث توضح ما يخطط المستثمرون لفعله بأموالهم، وليس فقط كيفية تحرك الأسواق.

وبعد أن تجاوز السوق أصعب مراحله، يتوقع %82 من المستثمرين الأفراد في الإمارات ارتفاع سوق الأسهم المحلية خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة، مقارنة بـ%76 في مارس، وهي أعلى نسبة نسجلها منذ بدء تتبع هذا المؤشر في نوفمبر 2024. كما ارتفعت الثقة في الأداء طويل الأجل للشركات المدرجة في الإمارات إلى %93، مقارنة بـ%90.

ويتوقع % 58 من المستثمرين الأفراد، وهي أعلى نسبة مسجلة حتى الآن، أن تحقق منطقة الشرق الأوسط أقوى العوائد على المدى الطويل مقارنة بأي منطقة أخرى، متقدمة على الولايات المتحدة (%47) والصين .(35%).

والأهم أن الأمر لا يقتصر على تحسن المعنويات. فمن بين المستثمرين الذين عدّلوا محافظهم على خلفية التطورات الجيوسياسية ، تراجعت نسبة من خفّضوا انكشافهم على الأسهم الإماراتية إلى %14، مقارنة بـ%25 في مارس.

وتضيف أسعار الفائدة بعداً آخر إلى هذه الصورة. فعند سؤال المستثمرين بشكل مباشر عن تأثير استمرار أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول على خططهم، أظهرت النتائج ميلاً واضحاً نحو زيادة الاستثمار وليس تقليصه؛ إذ قال %71 إنهم سيستثمرون أكثر، مقابل %6 فقط يعتزمون خفض استثماراتهم، بينما قال %21 إن استمرار أسعار الفائدة المرتفعة لن يغير خططهم.

كما تكشف النتائج عن الوجهات المحتملة لهذه الاستثمارات الإضافية. فعند سؤال المستثمرين عن المجالات التي سيزيدون مخصصاتهم لها في حال استمرار أسعار الفائدة المرتفعة، جاءت السلع مثل الذهب والنفط في المقدمة بنسبة %40، تلتها العقارات وصناديق الاستثمار العقاري بنسبة %39، ثم أسهم قطاعات النمو بنسبة %28، والأصول المشفرة بنسبة %28. كما أشار نحو ربع المستثمرين (%23) إلى السيولة أو المدخرات قصيرة الأجل، ما يؤكد أن «زيادة الاستثمار» لا تعني الشيء نفسه للجميع، ولا تعكس بالضرورة المستوى ذاته من الإقبال على المخاطر.

المستثمرون أكثر انتقائية دون تراجع عن الاستثمار

عند سؤال المستثمرين عن القطاعات في دولة الإمارات، تراجعت النظرة الإيجابية تجاه قطاع الطاقة من %42 إلى %35، والخدمات المالية من %37 إلى %33، وهما من القطاعات الأكثر تأثراً بالتطورات الجيوسياسية وتقلبات أسعار الفائدة. وفي المقابل، ارتفعت النظرة الإيجابية تجاه العقارات من %54 إلى %58، بينما حافظ قطاع التكنولوجيا على استقراره بشكل عام عند نحو %49.

كما أصبح المستثمرون أكثر اهتماماً بالأمان المالي على المدى الطويل كأحد أهدافهم الاستثمارية، إذ ارتفعت النسبة إلى %49 مقارنة بـ%34 في مارس.

وتشير هذه النتائج مجتمعةً إلى بوادر إعادة توزيع للاستثمارات أكثر من كونها تراجعاً عنها، مع توجه المعنويات نحو أجزاء السوق التي يُنظر إليها على أنها أكثر قدرة على مواجهة تداعيات التطورات الجيوسياسية ودورة أسعار الفائدة، وإن كان من السابق لأوانه تحديد مدى انعكاس ذلك فعلياً على مكونات المحافظ الاستثمارية.

الاستثمار في سوق بهذه المتغيرات

تعكس هذه الصورة، إلى حد ما، الطريقة التي يمكن للمستثمرين التعامل بها مع الظروف الحالية. فالثقة في آفاق الإمارات لا تعني التعامل مع جميع القطاعات بالطريقة نفسها، كما أن الحذر تجاه أسعار الفائدة لا يعني بالضرورة الابتعاد عن السوق. ويبدو أن المستثمرين المشاركين في استطلاعنا يدركون ذلك؛ فهم مستمرون في الاستثمار، لكنهم أصبحوا أكثر دقة في اختيار وجهة أموالهم.

ويصبح التنقل بين فئات الأصول المختلفة أكثر سهولة عندما تتيح منصة واحدة الوصول إلى مجموعة واسعة منها، من الأسهم والسلع والعملات إلى الأصول المشفرة وغيرها، دون الحاجة إلى نقل رأس المال بين تطبيقات أو وسطاء مختلفين كلما تغيرت القناعة الاستثمارية.

وينطبق المنطق نفسه على المصادر التي يمكن للمستثمرين الاستفادة منها في اتخاذ قراراتهم. فليس لدى الجميع الوقت لمتابعة بيان صادر عن الاحتياطي الفيدرالي، ومؤشر لتكاليف تأمين الشحن، ونتائج أعمال إقليمية لفصلين متتاليين في الوقت نفسه.

ولم يعد المستثمر مضطراً إلى متابعة كل ذلك بمفرده. إذ أصبحت متابعة كيفية توزيع المستثمرين الأكثر خبرة لأموالهم والاستفادة من استراتيجياتهم في الوقت الفعلي جزءاً متزايداً من تجربة الاستثمار الفردي، بدلاً من أن تكون ميزة محدودة الاستخدام.

وهنا أيضاً بدأ الذكاء الاصطناعي في تغيير تجربة الاستثمار اليومية. فمنصات مثل etoro تدمج الذكاء الاصطناعي بشكل متزايد ضمن تجربة المستخدم، ليس لاتخاذ القرارات نيابةً عنه، بل لمساعدته على مواكبة التطورات وفهم العوامل التي تحرك محفظته وأسبابها، في وقت تتزاحم فيه أخبار الحرب وتوقعات أسعار الفائدة ونتائج الشركات على اهتمام المستثمر.

وكان هذا النوع من التحليل الفوري متاحاً في السابق بشكل أساسي لمحترفي التداول، أما اليوم فأصبح في متناول أي شخص يستخدم تطبيقاً للاستثمار الفردي. وفي سوق تتعدد فيه العوامل المؤثرة وتتغير بسرعة، تكتسب هذه الإمكانية أهمية كبيرة.

وقد يكون ذلك أحد العوامل التي ساعدت العديد من المستثمرين في الإمارات على مواصلة الاستثمار مع زيادة انتقائيتهم في الوقت نفسه، بدلاً من تجميد قراراتهم أو الانسحاب من السوق بالكامل.

الدلالة الأهم

ستبقى الأشهر السبعة الماضية مرتبطة في الأذهان بعناوينها الكبرى: حرب، وسوق شهد في مارس تراجعاً أكبر مما كان متوقعاً، وقرار بشأن أسعار الفائدة أحاط به الكثير من الترقب. لكن سلوك المستثمرين لا يتحرك دائماً وفقاً للعناوين الإخبارية.

وما تظهره أبحاثنا هو صورة أكثر ثباتاً: قاعدة من المستثمرين حافظت على ثقتها خلال سبعة أشهر من الاضطرابات، وتعاملت مع التطورات بتأنٍ بدلاً من اتخاذ قرارات دفاعية، وتختتم الربع وهي تميل إلى زيادة استثماراتها لا تقليصها.

ولن يتأخر الاختبار المقبل كثيراً. لكن النهج الذي نراه اليوم، والمتمثل في الاستمرار في الاستثمار، وزيادة الانتقائية، والاستناد إلى الأساسيات بدلاً من العناوين الإخبارية عند اتخاذ القرارات، يمثل نهجاً يمكن الاستفادة منه مع دخول الربع المقبل.

جورج نداف، المدير العام لـ etoro في دولة الإمارات العربية المتحدة

📎 رابط مختصر للمقال: https://almanara.media/?p=77324
شارك هذه المقالة