المنارة / تونس
عاد اسم المؤرخ والعلامة عبد الرحمن ابن خلدون إلى الواجهة في تونس، بالتزامن مع الجدل المثار حول ملف ترشيح كتابه الشهير «المقدمة» للتسجيل ضمن سجل «ذاكرة العالم» التابع لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو».
وتقدمت تونس بالملف في إطار ترشيح مشترك مع الجزائر ومصر وتركيا، ضمن دورة 2026-2027 من برنامج «ذاكرة العالم».
فيما يخضع الملف حاليًا لتقييم لجان الخبراء في اليونسكو، على أن يتم الإعلان عن نتائج التقييم في ربيع 2027.
وأثارت صيغة الترشيح نقاشًا في الأوساط السياسية والثقافية التونسية.
بينما رأى منتقدون أن تقديم «المقدمة» ضمن ملف يضم أربع دول يطرح تساؤلات بشأن كيفية توثيق ارتباط العمل بابن خلدون وبتونس، باعتبارها مسقط رأسه وواحدة من أبرز محطات تكوينه العلمي والفكري.
لماذا تشاركت 4 دول في ملف «المقدمة»؟
في المقابل، تشير المعطيات الرسمية التونسية إلى أن الترشيح المشترك يرتبط بالطبيعة متعددة البلدان للتراث الوثائقي الخاص بـ«المقدمة».
حيث كتب ابن خلدون مؤلفه على مراحل خلال تنقلاته بين تونس والجزائر والمغرب ومصر.
فيما توجد نسخ ومخطوطات من العمل في عدد من الدول، من بينها تركيا.
وأكدت المندوبية الدائمة لتونس لدى اليونسكو أن تونس هي التي تولت تنسيق عملية إعداد ملف الترشيح.
بينما مشيرة إلى أن الشراكة مع الجزائر ومصر وتركيا تأتي في إطار القيمة التاريخية والعلمية للعمل وانتشار مخطوطاته وحفظها في أكثر من بلد.
كما أوضح المؤرخ عبد الحميد الأرقش، منسق اللجنة الدولية لدعم تسجيل «المقدمة» في سجل «ذاكرة العالم»، أن مشاركة الدول الأخرى في الملف لا تعني، وفق تفسيره، التخلي عن الارتباط التونسي بابن خلدون أو بمؤلفه.
وإنما ترتبط بوجود مخطوطات ووثائق تخص العمل في أكثر من دولة.
انتقادات تونسية لصيغة الترشيح
رغم التوضيحات الرسمية، استمر الجدل داخل تونس، حيث اعتبر نواب وناشطون أن الملف يحتاج إلى مزيد من التوضيح.
وطالب بعضهم بالكشف عن تفاصيل إعداد الترشيح وأسباب الانتقال إلى صيغة مشتركة.
وتساءلت النائبة بالبرلمان التونسي نجلاء لحياني عن الجهة التي اتخذت قرار تعديل صيغة الملف.
فيما داعية إلى فتح تحقيق إداري وسياسي للوقوف على ملابساته وتحديد المسؤوليات.
كما انتقد ناشطون وسياسيون الصيغة الحالية للملف.
بينما معتبرين أن عالمية الإرث الفكري لا ينبغي أن تحول دون إبراز البيئة التي نشأ فيها ابن خلدون وتكوّن فيها علميًا وفكريًا.
وفي المقابل، يرى المدافعون عن الترشيح المشترك أن تسجيل «المقدمة» ضمن سجل عالمي لا يتعارض بالضرورة مع نسبتها إلى صاحبها أو إبراز صلتها بتونس.
خصوصًا أن طبيعة سجل «ذاكرة العالم» تركز على حفظ التراث الوثائقي ذي القيمة العالمية، بما في ذلك الوثائق والمخطوطات الموجودة في أكثر من بلد.
ابن خلدون.. تونس في قلب مسيرته
وُلد عبد الرحمن ابن خلدون في تونس عام 1332، وتلقى جانبًا مهمًا من تكوينه العلمي في تونس، التي ارتبط بها خلال مراحل مبكرة من حياته.
وفي إطار دعم ملف الترشيح والتعريف بمسيرته، سبق أن نظمت لجنة دعم تسجيل «المقدمة» جولة ثقافية في المدينة العتيقة بتونس.
كما شملت المنزل الذي ولد فيه ابن خلدون، والمدرسة القرآنية التي تلقى فيها تعليمه خلال طفولته، إلى جانب مكتبة مدينة تونس «دار بن عاشور» والمكتبة الخلدونية.
وفي الوقت نفسه، ارتبطت مراحل من كتابة «المقدمة» وتنقل ابن خلدون بالجزائر والمغرب ومصر.
بينما توجد مخطوطات ونسخ من مؤلفه في دول أخرى، وهو ما تستند إليه الجهات التي دعمت صيغة الترشيح المشترك.
القرار النهائي في ربيع 2027
ولا يزال ملف «مقدمة ابن خلدون» في مرحلة التقييم لدى لجان الخبراء في اليونسكو، وبالتالي لم يُحسم بعد الشكل النهائي للقرار بشأن إدراجه في سجل «ذاكرة العالم».
ومن المنتظر أن تعلن اليونسكو عن عناصر التراث الوثائقي التي ستنضم إلى السجل خلال اجتماع المجلس التنفيذي في ربيع 2027.
وبينما يتمسك منتقدون في تونس بضرورة إبراز الجذور التونسية لابن خلدون ومؤلفه.
كما تستند الجهات الداعمة للملف المشترك إلى الطبيعة العابرة للحدود للتراث المخطوط المرتبط بـ«المقدمة».
ليبقى الجدل قائمًا حول كيفية الموازنة بين الخصوصية الوطنية للعمل وقيمته بوصفه إرثًا فكريًا عالميًا.









