تتحدى الزمن.. مقطوعة موسيقية تواصل العزف حتى عام 2640

المنارة: متابعات

في مدينة هالبرشتات بشرق ألمانيا، يتواصل مشروع موسيقي استثنائي داخل كنيسة بورشاردي. ويعتمد المشروع على مقطوعة «أورغن²/إيه إس إل إس بي» للمؤلف الأمريكي الراحل جون كيج.

بدأ المشروع قبل نحو 25 عامًا. ويهدف القائمون عليه إلى استمرار الأداء لمدة 639 عامًا. لذلك، يُعد من أطول المشاريع الموسيقية المستمرة في التاريخ.

وترمز الأحرف «إيه إس إل إس بي» إلى عبارة «بأبطأ ما يمكن». ألّف كيج العمل في نسخته الأصلية للبيانو عام 1985. ثم عدّله للأورغن عام 1987. وبعد وفاة كيج عام 1992، تحولت الفكرة إلى مشروع موسيقي يتجاوز عمر أي عازف أو مستمع.

بداية مشروع جون كيج في ألمانيا

انطلق مشروع هالبرشتات عام 2000. وبدأ الأداء الفعلي للمقطوعة في 5 سبتمبر 2001، بالتزامن مع الذكرى الـ89 لميلاد جون كيج.

واللافت أن المشروع لم يبدأ بنغمة موسيقية. بل بدأ بصمت استمر حتى 5 فبراير 2003. في ذلك اليوم، سمع الحاضرون أول صوت للأورغن.

ومن المقرر أن يستمر الأداء حتى 4 سبتمبر 2640. واختار القائمون مدة 639 عامًا لسبب تاريخي مرتبط بمدينة هالبرشتات.

ففي عام 1361 اكتمل في كاتدرائية هالبرشتات أورغن «فابر». ووصفه الباحثون بأنه أول أورغن كنسي ذي لوحة مفاتيح تضم 12 نغمة. وأسهم هذا التصميم في التمهيد للتوزيع الذي تستخدمه آلات المفاتيح الحديثة.

وبين عام 1361 وبداية المشروع عام 2000، يمتد فارق زمني يبلغ 639 عامًا. لذلك اختار القائمون المدة نفسها لأداء مقطوعة كيج.

تغيير النغمات بعد 25 عامًا

شهد المشروع في 5 أغسطس الجاري لحظة مهمة. واحتشد أكثر من 150 شخصًا داخل الكنيسة لمتابعة التغيير السابع عشر في الصوت منذ بداية الأداء.

كما تابع عشرات الأشخاص الحدث عبر بث مباشر خارج الكنيسة. واستمع الحاضرون لمدة ثلاث دقائق إلى التكوين السابق الذي ضم سبع نغمات.

بعد ذلك، أضاف القائمون أنبوبًا ثامنًا يدويًا إلى الأورغن. وهكذا انضمت نغمة جديدة إلى التكوين الموسيقي.

ثم استمع الجمهور ثلاث دقائق أخرى إلى الصوت الجديد. وبعدها، تعالت أصوات التصفيق داخل الكنيسة احتفالًا بهذه اللحظة النادرة.

ورغم مرور نحو 25 عامًا على بداية المشروع، لم يقطع سوى قرابة 4% من رحلته الطويلة. لذلك سيحتاج الجمهور إلى أجيال متعاقبة حتى يشهد نهاية العمل.

كيف يستمر الصوت دون عازف؟

لا يجلس عازف أمام الأورغن طوال فترة الأداء. وبدلًا من ذلك، يحافظ نظام منفاخ يعمل بالكهرباء على تدفق الهواء داخل الأنابيب.

ويضمن هذا النظام استمرار الصوت لفترات طويلة. أما القائمون على المشروع، فيتدخلون يدويًا عند حلول موعد تغيير النغمات.

وقد يضيفون أصواتًا جديدة أو ينهون أصواتًا قائمة وفق الخطة الزمنية المحددة للمقطوعة. وهكذا يجمع المشروع بين التكنولوجيا والعمل اليدوي للحفاظ على الأداء.

موعد التغيير الموسيقي المقبل

لن يحتاج الراغبون في متابعة التغيير المقبل إلى الانتظار طويلًا مقارنة بعمر المشروع. ومن المقرر أن يشهد الأورغن تغييرًا جديدًا في 5 أكتوبر 2027.

وعندها، ينتقل التكوين الصوتي الحالي من ثماني نغمات إلى سبع. ويواصل مشروع جون كيج رحلته البطيئة نحو موعد النهاية المحدد في عام 2640.

ويقدم المشروع تجربة مختلفة لمفهوم الموسيقى والزمن. فكل تغيير بسيط في النغمات يتحول إلى حدث ينتظره الجمهور لسنوات، بينما تمتد المقطوعة عبر أجيال متعاقبة.

📎 رابط مختصر للمقال: https://almanara.media/?p=72601
شارك هذه المقالة