
بقلم رئيس التحرير د.وليد السعدي
أطلّ من شرفتي على أعتاب عامٍ انقضى، لا بصفته مجرد رقمٍ أضيف إلى عمرنا، بل بوصفه دفترًا مفتوحًا امتلأت صفحاته بالأسئلة قبل الإجابات، وبالمحاولات قبل اليقين. أراجع أيامي، تصرّفاتي، حساباتي الصغيرة والكبيرة، وأدقّق
فيما مضى لا بدافع الندم، بل بدافع الفهم. فالأعوام لا ترحل هكذا عبثًا، إنما تترك لنا إشاراتٍ لمن أراد أن يقرأ.
لم يكن العام المنصرم سهلًا، لكنه لم يكن عقيمًا. بين منعطفٍ وآخر، تَعلّمنا أن الإنجاز لا يُقاس فقط بما نحقّقه من أرقام ومناصب، بل بقدرتنا على الاستمرار، وعلى التكيّف حين تتبدّل الخرائط.
كان عامًا من العمل الصامت، من التقدّم البطيء أحيانًا، ومن القفزات الجريئة أحيانًا أخرى. عامًا اختبر صبرنا، وصقل رؤيتنا، وذكّرنا بأن كل خطوة—even إن بدت صغيرة—تصنع فرقًا في المسار الطويل.
في حصاد هذا العام، تتجاور النجاحات مع الإخفاقات. نعم، حققنا إنجازات نفتخر بها: أفكارٌ خرجت من حيّز التخطيط إلى فضاء التنفيذ، علاقاتٌ نضجت بعد اختبار، ومشاريعُ قاومت الرياح ووقفت على قدميها.
وفي المقابل، تعلّمنا من العثرات بقدر ما تعلّمنا من النجاحات. فالإخفاق، حين يُقرأ بوعي، يتحوّل إلى معلّمٍ صارم لكنه عادل، يضعنا أمام حقيقتنا بلا مجاملات.
عامٌ مضى ونحن نعيد ترتيب أولوياتنا. اكتشفنا أن الوقت أثمن مما نتصوّر، وأن الطاقة التي نهدرها في ما لا يشبهنا هي خسارة صافية.
تعلّمنا أن نقول «لا» حين يجب، وأن نؤجّل ما يمكن تأجيله، وأن نتمسّك بما يستحق. تعلّمنا أن الإنسان لا يُقاس بكثرة انشغاله، بل بعمق أثره، وبسلامه الداخلي وهو يمضي في طريقه.
ومع انقضاء العام، لا يأتي الجديد صفحةً بيضاء بالكامل. بل هو امتدادٌ لما سبق، يحمل في طيّاته نتائج خياراتنا، ويمنحنا فرصة تعديل البوصلة. العام القادم ليس وعدًا سهلًا، بل تحدٍّ مفتوح.
تحدّيات مهنية واقتصادية، اجتماعية وثقافية، وتحدّيات على مستوى الفرد قبل الجماعة. عالمٌ يتغيّر بوتيرة أسرع من قدرتنا على التوقّع، وأسئلةٌ جديدة تفرض نفسها على واقعٍ لم يستقر بعد.
استقبال عامٍ جديد لا يعني التفاؤل الساذج، ولا التشاؤم المُقعد. بل يعني الاستعداد الواعي. أن ندخل العام بعينٍ ترى الفرص، وأخرى تقرأ المخاطر. أن نُخطّط دون أن نتجمّد، وأن نتحرّك دون أن نتهوّر. أن نُبقي القيم ثابتة، ونسمح للأدوات أن تتغيّر. فالثبات على المبادئ لا يتناقض مع المرونة في الأساليب.
في العام المقبل، سنحتاج إلى شجاعةٍ مختلفة: شجاعة الاعتراف حين نخطئ، وشجاعة التراجع حين يصبح التراجع حكمة، وشجاعة التقدّم حين يتطلّب الأمر مخاطرة محسوبة.
سنحتاج إلى عقلٍ ناقد لا يبتلع كل ما يُقدّم له، وإلى قلبٍ مفتوح لا يقسو على نفسه ولا على الآخرين. سنحتاج، قبل كل شيء، إلى إنسانٍ يرى في التحدّي فرصة للنمو، لا ذريعة للتذمّر.
إن أعظم إنجاز يمكن أن نحمله معنا إلى العام الجديد هو الوعي. وعيٌ بذواتنا، بحدودنا، وبقدرتنا على التطوّر. وعيٌ بأن الطريق لا يُختصر، وأن البناء الحقيقي يحتاج وقتًا ونَفَسًا طويلًا.
وعيٌ بأن النجاح ليس خطًّا مستقيمًا، بل مسارًا متعرّجًا، فيه صعودٌ وهبوط، لكنه يمضي إلى الأمام لمن يصرّ على المتابعة.
أغلق دفتر العام المنصرم وأنا أكثر هدوءًا، لا لأن كل شيء كان مثاليًا، بل لأنني تعلّمت كيف أرى الصورة كاملة. وأفتح باب العام الجديد بعزمٍ متزن، لا بضجيج الوعود، بل بثقة العمل.
فبين شرفة التأمّل وخطوة الانطلاق، مساحةٌ كافية لنفهم: أن الأعوام تمضي، لكن أثرنا هو ما يبقى







