بهذه الجملة القبيحة، تنهي صاحبة صفحة التداوي بالأعشاب وصفتها لمعالجة جميع الأمراض، من الرشح إلى السرطان، وبينهما أمراض القلب، والدماغ، والأعصاب، والسكري، والكوليسترول، والدهون الثلاثية، وأمراض الكُلى، والعظام، والأمراض الجلدية، والنفسية، وغيرها.
ولتبعد عن نفسها شبهة اللهاث وراء الإعجابات والتعليقات، ومن خلفها الدولارات تختم من لا علاقة لها بمهنة الطب الشعبي مقالها بجملة أخرى لزوار صفحتها: إذا أتممتم القراءة صلوا على النبي، فتنقلب صفحة الطب الشعبي، والتداوي بالأعشاب إلى حلقات ذكر زائفة تعلو فيها أصوات الزوار، وقفزاتهم، وطيرانهم في الهواء طربًا، ونشوة بما قالته المتطفلة على مهنة الطب.
يقولون: صار الإعلام مهنة من لا مهنة له، وفي هذه الأيام ينبغي القول: أصبح العلاج بالأعشاب، والطب الشعبي مهنة من لا مهنة له، فيزاولها الطباخون، مع احترامي ومحبتي لمهنة الطبخ، والطباخين، لكنني أقصد أن لكل مقام مقالًا، وأنَّ لكل مهنة أصحابها، والأمر سهل، متاح لمن لا يتقي الله، ولا يقيم وزنًا لصحة المرضى، ومعاناتهم، فيجمع كلمة من هنا، وأخرى من هناك، ومن مصادر غير موثوقة، ويؤلف وصفة لكل الأمراض، وينشرها على وسائل التواصل الاجتماعي، من غير رقيب، أو حسيب، وبعيدًا عن تأنيب الضمير، وقد تدمر تلك الوصفات العشوائية ما بقي من صحة المريض.
يذكرني الحديث عن (طباخات) العلاج بالأعشاب بالمهرجين، والمشعوذين الذين يدَّعون علمهم بالغيب. وعلى سبيل المثال، كنا في بلاد الشام نشهد توافد آلاف من الأسر القادمة من خارج الحدود على الأرياف، وبخاصة في مواسم حصاد القمح في أشهر أيار، وحزيران، وتموز، وآب، وهي مايو، ويونيو، ويوليو، وأغسطس. في تلك المواسم كان لكل فرد من أفراد تلك الأسر التي تسكن في خيم متنقلة خارج القرى دور في كسب لقمة العيش، فللرجل مهنة صناعة الغرابيل التي يستخدمها الفلاحون لفصل الحب عن التبن، وللنساء، والأطفال مهنة جمع ما يجود به الخيِّرون عليهم من المال، والطعام، وكانت لبعض النساء ممن لديهن قليل من مهارات الحديث، والفراسة، والإقناع مهنة أخرى، وكنا نسميهن ضرَّابات، أو بصَّارات.
تجلس الضرَّابة على الأرض، ويجلس قبالتها من يتوهم قدرتها، وعلمها بما يخبئه له المستقبل.
تُخرج من كيسها الوَدَع، وهي بضعٌ من قواقع الحلزون، أو القواقع البحرية، وتضعها في يدها، وتطلب من ذلك المغفل أن يضع يده عليها، ثم تنثرها على الأرض، وتنظر إليها باهتمام مصطنع، وتزعم أنها تقرأ، وتسمع ما تقوله تلك القواقع الجافة، وتقول بثقة مزعومة: بنت الحلال تنتظرك، ولا تريد منك إلا إشارة، يا سلام على عينيها، طويلة جميلة، وجهها كالبدر، ثم تختم وصفها عروس المستقبل بعبارة:
بَيِّضِ الفال. وهذه العبارة تعني ادفع ما معك من نقود، فيخرج ذلك المسكين قطعة نقدية هي كل ما يملك منتشيًا بجمال العروس التي تنتظره. وتأتي شابة تريد أن تخبرها الضرابة بمصيرها، فتقول لها بعد رمي الودع على الأرض، ونظرة إلى الأفق البعيد، ثم إلى باب الدار:
حصان أبيض، وعليه فارس يرتدي عباءة سوداء مطرزة بخيوط الذهب نزل من بين الغيوم، وها هو يتوجه إلى باب داركم، صلي على النبي، وبَيِّضي الفال.
هذه البشارة الكاذبة ترغم الشابة على إعطاء الضرابة قطعة نقدية، وهي تنظر إلى باب البيت فلا ترى إلا حمارًا يكاد لا يقوى على الوقوف على أرجله في نهاية يوم من التعب، وحملِ صاحبه، وما يحمله عليه في موسم الحصاد.
الضرابة لا تكتفي بقطعة نقدية واحدة، فسذاجة الشابة كفيلة بدفع قطعة أخرى، فتسارع الضرابة إلى القول: الفارس سيكون لك سياجًا يسترك، ويسعدك، ويحميك من غدر الزمن، بَيِّضي الفال، فتنظر الشابة إلى جدار البيت الذي يريد أن ينقض في كل حين، لولا رحمةُ الله بساكنيه، لكنها تدفع للضرابة قطعة نقدية أخرى خشية أن يسوَدَّ فألها.
في كثير من صفحات التواصل تقول صاحبة الصفحة لقرائها إن أتممتم القراءة صلوا على النبي، ولا تنسوا الإعجاب، والتعليق حتى تصلكم مقالاتي الجديدة، (وبيِّضوا الفال) بمشاركة هذا المقال.
وبتبييض الفال تنهمر على الصفحة الإعحابات، والتعليقات، والمشاركات، ومعها الدولارات، ويدفع متابعو هذه الصفحات أثمانًا غالية من صحتهم، وراحة بالهم.
بيض الفال.
ختامًا أقول لضرابات، وضرابي العلاج بالأعشاب، والطب الشعبي: هداكم الله، فكفاكم متاجرة بصحة عباد الله الذين يتعلقون بقشة أمل، ويبحثون عن علاج لأمراضهم، فصار المرض على أيديكم أمراضًا قد لا يقدر على علاجها أمهر أطباء الأرض، وكل ذلك من أجل حفنة قذرة من المال.
وأنتم إخوتي الكرام، وأخواتي الكريمات بيضوا الفال، وشاركوا المقال، ولكم أجر دفع الضرر عن الناس.







