أبذرُ كلمة (الحب) في الأرض الجرداء، وأروي من عرقٍ جفاف معناها. وقد استبيحُ دمي نقطة نقطة لأصلب عودها كي تنمو خضراء أو حمراء فهذا لا يهم.
لكن الحب اليوم أصبح كلمة قديمة في قواميس المولودين للتو، وقد تعني انطفاء العاشق في محطة قطار وانتحار صوته في زحمة الأبواق، وقد تعني قيام فتاة بحرق رسائلها كي تتدفأ بها في صقيع يوم مر.
وبالنسبة للجندي الذي عاد من الحرب ولم يجد حبيبته بانتظاره، ربما يكتشف أن الحياة مجرد لعبة عبثية والحب لغزها الأبدي.
وبالنسبة للأم والأب جالسين وحيدين في خرائب الذكريات ومتمسكان كلاهما بالشمعة الذائبة، فان العمر كله، وإن بدا وردياً ورومانسياً للحظات، فإن النهاية تبدو أشد قسوة من البداية، حيث الزوال يحط على الأجساد الهزيلة وينهش بمخلبيه ما تبقى من هشاشة المعنى ومن جدوى التمسك بالقيمة والمبدأ في عالم ينهار كله وتتهشم البوصلة فيه.
خذني في طريقٍ مختصر نحو الضوء الصافي أيها المؤمن بوجود الحقيقة التي لا يراها أحد. احملوني في سفينة النجاة أيها الراحلون من الساحل الأسود المدجج بالغربان الى الشاطئ الأبيض المغسول بأشرعة لا تمزقها الريح.
ولدتُ أبحثُ عن علة وجودي فاكتشفت الطريق ولم اكتشف مغزى استمراري في مشيها.
وسمعت كلام فلاسفة كثيرين تحدثوا عن الحرية ومجّدوا الميتين في الحلم بها، لكنهم فطسوا عندما أشعل الجهلةُ حفلة الصراخ مبتهجين بانتصارهم على المرايا.
وكان الحب يومئذ فضيلة مقدسة، فأصبح بعد ارتفاع الدخان سعالاً دائماً في صدور من افترقوا وتفارقوا وحالت بينهم عزلة المنفى وانسحبت أرجلهم في قطارات لا يعود راكبوها أبدا.
أنت تقصد من؟ قالت لي طفلة تبحث عن مأوى. ها أنت تهذي مثلنا؟ قال المجنون.
لن تنفعك القصيدة لأنك تكتبها بحبرٍ مارقٍ ولا اتصال بين أولها وآخرها، قال لي شاعر مقعد هذه الكلمات واندفع في منحدرٍ وارتطم بالفراغ ولم يسأل عنه مؤيدوه.
وما كنت أرجوه حقاً هو أن تظل كلمة (الحب) تورق لو زرعناها في المزهرية.
وأن يتمسك الأب والأم بذلك الخيط الذي يتلاشى ويتسرب من أيديهما كلما اتسعت تحت أرجلهما هوّة الفراغ وتكشفت لهما لحظة انطفاء الضوء في آخر النفق.
ببساطة، سأنهبُ علبة الكبريت من يد العابثين وسأشعلُ بها شمعة أسميها (الأمل). وسأجلس تحت الضوء الراقص المتسرب من نارها لعل صمت فمي يصير أغنية في هذا الليل الطويل.

اللوحة للفنان دانيل 333







