«العيّالة».. إبداع فني ينسج التراث بريشة فهد جابري

عادل حسين

يعد الفنان التشكيلي والحروفي فهد جابر ي من المبدعين الإماراتيين الذين تنوعت أفكارهم ورؤاهم الفنية، حيث عبر عن العديد من المفردات التراثية بطريقة تعكس ثقافة مميزة، فهو من الفنانين الشباب الذين صقلوا موهبتهم بالدراسة والتوسع في القراءة والاطلاع،

وذلك انعكس بشكل إيجابي على لوحاته وأعماله، خاصة تلك التي يبرز فيها مشهديات من قلب الممارسات والطقوس التراثية والفلكلورية، حيث يتميز بحجم اللوحات الكبيرة التي هي بمثابة فضاء وميدان تنعكس فيه صور مختلفة، فنجد خيولاً تركض، وأفراداً يمارسون فن الأهازيج والأغاني الشعبية وغير ذلك من لفتات تتطلب بالفعل حس التقاطي عالياً، ليمنح تلك اللوحات أبعاداً روحية تعمق من مشهديتها.

الرؤى الفلسفية والبعد الروحي الصوفي

ومن الأعمال التي شارك بها جابر في معارض مختلفة في الداخل والخارج، اخترنا له لوحة يتعمق فيها في مسألة تناول التراث من منظور مختلف يجمع بين الرؤى الفلسفية والبعد الروحي الصوفي، و اللوحة تحمل اسم «العيالة»، وهي من الممارسات الفنية الشعبية التراثية الإماراتية يعبر عن حالة طقسية بنوع من الرقص المصاحب للشعر والإنشاد، ويؤدى في المناسبات الوطنية والاجتماعية المختلفة ويتميز بأداء رجالي جماعي يتضمن حمل عصي الخيزران والتحرك بها على إيقاع الطبول والشعر، وهي الحالة الجمالية التي تضمنتها اللوحة وكأنها حكاية تعبر عن ذلك الفن.

 

اللوحة تبرز في مشهدها المتوهج بالأنوار والمقترحات الجمالية المختلفة مؤدٍ «عارض»، لفن العيالة يضرب الطبلة ضرباً فترن وتملأ أصواتها الأفق ويردد صداها الفضاء، وتتعمق تلك الحالة البديعة مع صوت هذا المؤدي الذي يتمايل مع طبلته مغنياً ومردداً لأهازيج وأشعار ملأت قلبه قبل أن تبوح بها حنجرته، وذلك يفسر حالة الطرب التي هي أقرب للجذب الروحي، وكأنه يحلق في سماوات عالية بعيدة ربما لا يدري بما يجري حوله، وذلك ما يلاحظه المشاهد عندما يركز نظره على ذلك الشاعر أو العارض المطرب فتتسرب إليه تلك المشاعر التي لدى ذلك الشاب الذي يبدو وكأنه في غاية السعادة والفرح.

بعد روحي

يؤكد الفنان الحالة الروحية في اللوحة بتوظيف ألوان لامعة ومبهجة تتدفق وكأنها تحاكي موجات رمال الصحراء من أجل تأكيد الحالة التراثية، فذلك نوع من التوظيف الرمزي الذي يحمل كذلك دلالة النصر حيث تبرز تشكيلة من الألوان بالأحمر والبنفسج والأزرق والأصفر، وكان هناك انفجار كبير يشبه النيران يقف في منتصفها العارض وكأنه فارس يخوض غمار معركة حربية حامية الوطيس على يساره الطبل وفي يمناه العصاة التي يضرب بها بهامة مرفوعة نحو السماء.

 القيم الوطنية 

اللوحة في مضامينها البعيدة والقريبة الفكرية منها والروحية تتضمن الكثير من الإشارات على رأسها  الفخر بالقيم الوطنية واللحظات التاريخية في مسيرة الوطن، حيث إن الفنان صمم هذا العمل بحيث يشعر المتلقي بأهميته وأن يصله التكنيك الذي اشتغل به، فكل ما في العمل من تفاصيل يحمل إشارة واضحة لحالة التطور والازدهار الذي تعيشه الدولة، وإلى وحدة شعبها وقوة شكيمته، حيث عبر الفنان عن كل تلك الأبعاد بشكل رمزي بدلالات واضحة بالنسبة للمشاهد الذي لا يحتاج إلى كثير عناء في تأويل عناصر اللوحة، ولعل اكتفاء الفنان بإبراز عارضٍ أو مؤدٍ واحد في مشهد اللوحة وتغييب بقية عناصر الفرقة الفنية، يشير إلى اتجاه الفنان نحو «التجريد التمثيلي»، الذي يعتمد على فكرة الاختزال، بحيث ينصرف المشاهد إلى متابعة حركة العارض.

شارك هذه المقالة