محمد عبد السميع
رغم التحديات التي فرضتها وسائل التواصل الاجتماعي على الأجناس الأدبية التقليدية، فإن فن الخاطرة لم يخفُت، بل عاد ليتألق بأسلوب معاصر، ونبض حيّ.
فقد أكد عدد من الكتّاب والنقّاد أن المنصات الرقمية لعبت دوراً كبيراً في إعادة إحياء هذا الفن، من خلال إتاحة فضاءات حرة للتعبير وتفاعل الجمهور.
وأصبح الكثيرون يعبّرون عن مشاعرهم بكتابات وجدانية قصيرة، تلقى رواجاً بين فئات مختلفة. هذا الحضور المتجدد لفن الخاطرة، يعكس قدرة الأدب على التكيّف، وعلى ملامسة الروح البشرية بلغته البسيطة والعميقة في آنٍ واحد.
يؤكّد الكاتب الإماراتي الدكتور محمد حمدان بن جرش أنّ الخاطرة ليست مجرّد كلمات مرتّبة، بل هي انفعال مصاغ بجمال، يتجلّى في عدة خصائص أساسية، فهي تنبثق من اللحظة دون تكلّف أو تخطيط مسبق، كشرارة عابرة تضيء الظلام، وتلتقط فكرة واحدة أو شعوراً واحداً أو صورة واحدة، وتغوص في أعماقها بأسلوب لغوي مقتصد وبليغ، كما تعتمد على الصور البيانيّة، والموسيقى الداخلية، والإيقاع، واللغة المختارة بعناية فائقة، وتلامس العمق الإنسانيّ كالحب، والفقد، والجمال، والتأمل، والحنين، والقلق الوجودي بصراحة وشفافية، وتعكس رؤية الكاتب الخاصة وانفعاله الشخصي، لكنها في الوقت ذاته تلامس الآخر وتربطه بها.
وفي عالم اليوم، حيث تسود الثقافة الرقمية، تواجه الخاطرة تحديات جمّة، منها طغيان الإيجاز والسرعة في منصات مثل «إكس» و«إنستغرام»، وهو ما يشجّع على محتوى سريع الاستهلاك، غالباً هو سطحي، بينما الخاطرة تحتاج إلى تروٍ وتأمل.
ومع ذلك، يرى بن جرش أنّ القول بانقراض الخاطرة قول متسرّع، والصحيح أن الخاطرة تتأقلم وتتجدد، كما شهدنا ظهور بودكاست الخواطر، الذي يعيد سحر الإلقاء الشفهي ويصل إلى جمهور أثناء التنقل، إلى جانب مجموعات القراءة والنقاش التي تشكّل ملاذاً لعشاق الخاطرة وتشجع على كتابتها.

انتشار أكبر
ويرى الكاتب السوداني عمرو منير دهب أنّ جذور الخاطرة الأدبية ضاربة بعمق في تراثنا العربي، ومن جهة أخرى، فالخاطرة بحسب الشائع ترتبط بلحظات انفعال نفسي أكثر من ارتباطها بلحظة تأمل فكري، غير أنّ هذا لا يمنع أن تشتمل الخاطرة على مضمون فكري أو فلسفي عميق مختزل في بضعة أسطر أو حتى بضع كلمات.
ويضيف أنّ فن الخاطرة الأدبية لم يندثر مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، بل على العكس أتاحت تلك الوسائل لذلك الفن مزيداً من أسباب الازدهار، مع ملاحظة أنّ غلبة المحتوى المتعجل على وسائل التواصل -بداعي الحاجة العملية- تمنح انطباعاً غير دقيق بغياب الخاطرة عن محتوى تلك الوسائل الحديثة للكتابة والتواصل.

وتقول الكاتبة الإماراتيّة آمنة عبيد إنّ وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في انتشار فن الخاطرة بدلاً من تقييده، معتبرة إياها بيئة خصبة لنثر مكنونات النفس والتعبير بحرية عن المشاعر، فضلاً عن تأثيرها في تفاعل الأفراد مع تجارب الآخرين.
وتشير إلى أنّ وسائل التواصل أتاحت فرصاً واسعة للكتّاب الشباب لنشر أعمالهم والوصول إلى جمهور متنوع، ما ساعد على تنمية هذا اللون الأدبي وتعزيزه في المشهد الثقافي.

نصوص وجدانية
وترى الكاتبة الإماراتية فاطمة المعمري أنّه رغم ما يُشاع عن تراجع الفنون الأدبية التقليدية في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، فإن فن الخاطرة لم يختفِ، بل شهد ازدهاراً ملحوظاً في السنوات الأخيرة. فقد أصبحت المنصات الرقمية مساحة خصبة لصياغة النصوص الوجدانية القصيرة، حيث بات الكثير من المستخدمين يعبّرون عن مشاعرهم وتجاربهم اليومية من خلال أسطر تُصنّف ضمن فن الخاطرة، حتى إن لم تُعنوّن بذلك. وتضيف إنّ هذا التحوّل الرقمي ساهم في توسيع دائرة كتاب الخاطرة، وتيسير النشر والتفاعل، ما شجّع الكثيرين على تطوير أسلوبهم وتحويل هذه النصوص إلى إصدارات مطبوعة.

ويؤكد الناقد المصري الدكتور السيد رمضان السيد أنّ فن الخاطرة الأدبيّة لم يندثر، بل هو حاضر ضمن الأشكال الأدبية المختلفة، إلا أن المشكلة الحقيقية، من وجهة نظره، تكمُن في التسمية، فبينما نطالع عشرات النصوص الجيدة ذات الصور الرائقة واللغة العالية، التي تنتمي فعلياً إلى هذا الفن، نلحظ إصراراً شديداً من مبدعي تلك النصوص على تسميتها شعراً نثرياً.
ولهذا السبب، فإنّ فن الخاطرة غاب نسبياً عن الأنظار عندما صُنَّفت الأعمال الأدبية المندرجة فيه على أنها شعر، على الرغم من عدم اكتمال مواصفات الشعر فيها من حيث الوزن والقافية، وهما من شروط الشعر التي نصَّ عليها كل النقاد العرب القدماء، فلماذا نسهم في ظلم النثر العربي وعدم إعطائه المكانة المستحقة على هذا النحو.

مشاركة الأحاسيس
ويرى الكاتب المصري حسام حسن إسماعيل أنّ فن الخاطرة الأدبية لن يندثر أبداً، بل سيظل حاضراً ما دام الإنسان موجوداً، لأنه مرتبط بالفطرة الإنسانية واحتياجات الروح للتعبير. ويؤكّد أنّ وسائل التواصل الاجتماعي، وكما ساعدت في جعل العالم قرية صغيرة، فقد أسهمت أيضاً في انتشار الخاطرة الأدبية بشكل غير مسبوق، من خلال توفير مساحة مفتوحة للتعبير ومشاركة الأحاسيس.

ويقول الشاعر السعيد المصري: إنّ صفحات التواصل الاجتماعي تحولت إلى بوستات وخواطر أدبية، تدل على وجهات نظر وهوية وثقافة كاتب البوست، وبعض هذه البوستات قد تكون أعمق وأفضل من الكثير من الكتابات المطبوعة بين دفتي كتاب، وبعضها يعبّر عن فطرية المشاعر وتلقائية اللحظة وقدرة الكاتب على اصطياد اللحظة، وصياغتها بلغه شفيفة تعبّر عن عمق ما يعانيه وما يمر به من ألم وشجن، وهذا التحول الكبير قد يجعلنا نستغني بكل بساطة عن التعبير عن المشاعر بالطرق التقليدية.

وترى الكاتبة والإعلاميّة المغربية سعاد ثقيف أنّ فنّ الخاطرة الأدبية هو أحد أرقى أشكال التعبير النثري، حيث يلتقط الكاتب لحظة شعورية عابرة ويصوغها بأسلوب أدبي جميل، لا يخضع لقواعد صارمة كما هو الحال في المقالة أو القصة، بل هو أسلوب يتميز بالانسيابية والعفوية، ويعتمد بالأخصّ على تدفق المشاعر والأفكار، أسلوب وجداني مؤثر تتداخل فيه العواطف مع الأحداث لتشكل لوحة فنية معقدة تعكس صراع الإنسان الداخلي. وفي ظلّ التواصل الاجتماعي، أصبح التعبير أكثر تكثيفاً وسرعة، مما أدى إلى ظهور أنماط جديدة من الخواطر تفتقر إلى التأمل والتعبير العميق وقصيرة تناسب طبيعة القراءة السريعة في العصر الرقمي.

حرية الانطلاق
وترى الكاتبة المغربية بشرى الغفوري أنّ فن الخاطرة لم يمت ولم يغب حضوره، بل ارتدى ثوباً جديداً من الرقة وتسلل بخفة إلى أعماق فضاءات افتراضية تعج بصخب الكلمات وصدى الصور المتداخلة.
والخاطرة ليست مجرد حروف متراكمة، بل لحظة تشبه النبض تحاك بخيوط الصدق والصفاء وتعانق الروح برشاقة وتخطف القلوب بصمتها الهادئ، فهي لغة لا تهدف إلى التفاخر أو الاستعراض بل إلى الإحساس العميق الذي لا يتقاسمه إلا من يرى الجمال في بساطة التعبير وأصالته.

وترى الكاتبة إيمان الشباني، من المغرب، أنّ الخاطرة لم تختفِ لكنها غابت قليلاً خلف أشياء كثيره من التجديد والضجيج الذي فرضته وسائل التواصل الاجتماعي، وهي حتماً ما تزال مساحة للبوح الهادئ، لالتقاط لحظة شعور، لنسج كلمات تحمل التأمل.
أما اليوم، فالكلمات تركض، والصور تتزاحم، والمشاعر تختصر في رموز، ومع ذلك، لا شيء يمنع الخاطرة من العودة، فقط تحتاج لمن يوقظها، ولمن يكتب من عمق اللحظة لا من سطح الانفعال.
ويقول الشاعر والناقد المصري حاتم عبد الهادي: إن فنّ الخاطرة- كغيره من الفنون- قد استحدث له أشكال جديدة، وأثرت عليه الآلة كتقنية جديدة للكتابة والتفكير، وتقييد الخيال، إلا أن الإنترنت، والذكاء الاصطناعي الآن قد أحدثا ثورة كبرى انعكست آثارها على العلوم والفنون والفلسفات كذلك، ومن هنا تغيرت الخاطرة الأدبية، بل وتغيرت ذائقة المتلقي، ونوعيته، وطريقة تلقيه للمنتج الأدبي للخاطرة الجديدة.

اختزال المشاعر
يقول الشاعر والناقد المغربي حميد بركي: إنّ فنّ الخاطرة الأدبية لم يندثر، لكنه تراجع أمام زخم العبارات السريعة، والمحتوى اللحظي الذي تفرضه وسائل التواصل الحديثة، ويمكن أن نقول بأن عودة الخاطرة لا تحتاج سوى قلب صادق يكتب كما يشعر، وعين ترى الجمال في تفاصيل الحياة اليومية.
وترى الدكتورة المصرية شيماء عمارة، مؤسسة صالون «في حضرة الإبداع»، أنّه وفي ظلّ انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت الخاطرة أكثر اختصاراً وتكثيفاً، مما أتاح لها الوصول إلى جمهور أوسع، إلا أن هذا التحول قد أفقدها بعضاً من عمقها وتأملها الذي كان يميزها في السابق، مشيرةً إلى الافتقار إلى اللمسة الإنسانية والعمق العاطفي في ذلك، في حديثها عن توليد النصوص بفعل الذكاء الاصطناعي، وإنتاج نصوص شبه أدبيّة.